الله بالعذاب ، وحيث يندرج هذا الجزاء في سنة إلهية كونية فإن العذاب قد ينال كل بشر إذا انتحل الإجرام .
[ 38 - 39 ] وسنُّة الجزاء ليست أمرا شاذا عن طبيعة الحياة ، إنما هي نابعة من صميم الخلق ، ذلك أن الله خلق السماوات والأرض لغاية سامية ، الأمر الذي يقتضي الجزاء ويحتمه .
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ إنما خلق الله كل شيء لهدف محدد ، مهما كان ذلك الشيء صغيرا وتافها في نظر الإنسان ، وقد تقرَّر في علم الفسيولوجيا ( وظائف الأعضاء ) أن كل شيء في الإنسان يؤدي دورا معينا ، ولا يكون الإنسان كاملا إلا به ، حتى الشعرة الواحدة ، بل حتى جزيء الخلية المتناهية في الصغر ، فهل يعقل إذن أن يكون ربنا قد خلق الإنسان بأكمله عبثا ؟ ! كلا . . إن له هدفا في الحياة ، وهو مسؤول عن كل شيء أمام ربه ، ولكن هذه الحقيقة الواضحة تبقى غامضة لدى الجاهلين والضالين .
مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وسيلة وغاية وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وعدم علمهم ليس لأنهم لا يرون الآيات الهادية إلى هذه الحقيقة ، وإنما لأن هذه الآيات لا تتحول في ضمائرهم وأذهانهم إلى بصيرة ، ذلك أن نظرتهم إلى الحياة نظرة قشرية مجردة ، وإنما الذين ينظرون إليها ببصيرة الإيمان يهتدون إلى لبابها الحق .
[ 40 - 42 ] وحيث ميز الله الإنسان عن سائر خلقه بالعقل ، وكرمه بالحرية ، فهو مسؤول أمامه عن العمل وفق الغاية التي خلق من أجلها ، فإن تحمل مسؤوليته نَعَّمَهُ في الجنة ، وإن نكص عنها عَذَّبَهُ في النار .
ومع أنه تعالى جعل سنَّة الجزاء جارية في الحياة الدنيا ، إلا أنها أكثر تجليا في الآخرة ، حيث تنصب الموازين ، ويفصل بين الصالحين والأشرار .
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ وهذا اليوم ضرورة حتمية تقتضيها عدالة الله ، وإذ يُسَمِّيه ربنا يَوْمَ الْفَصْلِ فلأنه اليوم الذي يحكم فيه الحق بعيدا عن التبريرات أو التأجيل ، فهو يوم حاسم في حياة كل إنسان ، ويُعَدُّ فيصلا يتقرَّر فيه مصيره الأبدي .
وإذا أعطى ربنا الحرية الكاملة للإنسان في اختيار الحق دون أن تستطيع أية قدرة سواه تعالى إكراهه باتجاه معاكس لما يريد ، كان من أبرز معاني الفصل أن يتحمل المسؤولية شخصيا حتى يكون يومئذ مفصولا عن سائر الناس .
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ بلى ، قد يضغط من حول الإنسان
من هدى القرآن — صفحة 109
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٩