وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ( 30 ) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنْ الْمُسْرِفِينَ وأيُّ إهانة أعظم من أن يسلب الإنسان حريته ، ويصير عبدا للطغاة ، يسحقونه لتعلو مكانتهم ، ويسلبونه لكي يبذروا ويسرفوا ؟ !
إن فرعون هو الآخر لقي جزاءه العادل في الدنيا لضلاله وانحرافه ، فهو من جهة كانت علاقته مع الناس العلو والاستكبار ، وكانت علاقته مع الطبيعة علاقة التبذير والإسراف .
وكلمة عَالِياً لا تدلُّ هنا على العلو في الإسراف ، وإنما العلو على الناس ، وربُّنا عزَّ وَجَلَّ يبيِّن ذلك في آية أخرى حين يقول : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً [ القصص : 83 ] ، أي الذين لا تكون علاقتهم مع الآخرين الاستكبار والتعالي ، ولا مع الطبيعة الفساد ، وهكذا يفسر القرآن بعضه بعضا .
[ 32 ] أما النعم الإلهية الأخرى على بني إسرائيل بعد النجاة من حكم الطاغوت ، فهي تفضيلهم على سائر الأمم ، واختيار الله لهم حملة لرسالته ، لا لشيء فيهم سوى أنهم تجاوزوا الفتنة الكبرى في الحياة ، وأثبتوا جدارتهم - بالسعي - لهذه المنزلة .
وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ بجدارتهم ، وتميزهم بإيمانهم وصالح أعمالهم .
عَلَى الْعَالَمِينَ إذن فعلينا وعلى الأمم التي تنشد التقدم أن لا تسعى للاستعلاء في الدنيا ، فلكي نحقق هذه الغاية علينا أن نوفر عوامل الحضارة في أنفسنا ، كالتزكية ، والتعاون ، والتعود على الخشونة ، والمثابرة في العمل ، والصبر ، والاستقامة على الحق ، وعندها سوف يوفقنا الله ، ويفضلنا على غيرنا ، وسنتقدم ، ومعنى العالمين - حسب المفسرين - الناس المعاصرين لهم ، إذ إن الله فضل المسلمين على غيرهم حين امتثلوا أحكام الله فقال : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ آل عمران : 110 ] .
[ 33 ] وتفضيل الله لأمة من الناس على غيرهم لا يعني أنهم يبقون الأفضل للأبد ، أو أنهم يبعدون عن دائرة الامتحان والابتلاء ، كلا . . فربنا أعطى بني إسرائيل آيات القدرة والعلم والفضيلة ، ورزقهم النصر على عدوهم ، وتواتر عليهم أنبياؤه ورسله ، ولكن هذه النعمة كانت تحمل في طياتها ألوانا من الامتحان وَآتَيْنَاهُمْ مِنْ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ الابتلاء سنة ثابتة في الحياة لا يغيرها شيء ، بلى ، قد ينتقل الإنسان الفرد أو المجتمع من حال العسر إلى حال اليسر ، ولكنه يبقى معرضا للامتحان في الحالين سواء ، فإذا كان القهر والعذاب الذي حل ببني إسرائيل بلاء بالسيئة ، فإن الإغراءات التي تنطوي عليها سائر النعم التي أعطيت لهم بعد النصر كانت بلاء بالحسنة ، وقد قال ربنا سبحانه : وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ
من هدى القرآن — صفحة 107
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٧