تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
عليه باتجاه معين ، ولكن الموقف الحاسم يبقى رهن إرادته وحده ، ولكي يتجنب التأثر بالضغوط السلبية صوب الباطل يجب عليه أن يلقي نظرة إلى الآخرة ، حيث يخذله الجميع وينفصلون عن نصرته ، بل لا يجدون إلى ذلك سبيلا ، ويقف هو وحده بعمله . ثم إن السياق القرآني ينعطف بعد هذا التخويف ليثير فينا الأمل والرجاء ، حينما يذكرنا برحمة الله إلى جانب عزَّته ، فبعزَّته جعل سنة الجزاء ، وبرحمته جعل الشفاعة والمغفرة لهذا الإنسان الضعيف ، فقد استثنى من بين سائر الناس الذين تتقطع بهم الوشائج ، ويرتهنون بأعمالهم السيئة ، أولئك الذين تشملهم رحمته عزَّ وجلَّ فقال : إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ فهداه إلى الإيمان ، ووفقه للعمل الصالح في الدنيا ، وغفر له ذنوبه ، وشفع فيه أولياءه في الآخرة ، فإنه تغنى عنه شفاعة الصالحين ، وينصره الله على العقبات إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . قال الشَّحام : قال لي أبو عبد الله عليه السلام ونحن في الطريق في ليلة الجمعة : [ اقْرَأْ فَإِنَّهَا لَيْلَةُ الجُمُعَةِ قُرْآناً فَقَرَأْتُ : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 40 ) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ ( 41 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ فَقَالَ أَبُوعَبْدِاللهِ عليه السلام : نَحْنُ واللهِ الَّذِي رَحِمَ اللهُ ونَحْنُ واللهِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللهُ لَكِنَّا نُغْنِي عَنْهُمْ ] « 1 » . [ 43 - 46 ] وكنتيجة لحكم الله في يوم الفصل يحدثنا القرآن عن صورتين متناقضتين ، وهما صورة أصحاب النار الذين يعانون ألوان العذاب ، وصورة أهل الجنة الذين يتقلبون في نعيمها . أما عن النار فإن من أشدِّ أنواع العذاب فيها شجرة تنبت في أصلها ، ويمتد منها غصن لكل شخص فيها ، اسمها الزقوم ، وهي تجسيد لذنوب أهلها وآثامهم . إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ( 43 ) طَعَامُ الأَثِيمِ وحيث يشعر أهل الجحيم بشدة الجوع يبحثون عن الأكل ، فيجدونه في هذه الشجرة ، ولا يجدون بُدَّاً من التقامه ، وبمجرد أن يصل إلى جوفهم يصير كالرصاص والنحاس المذاب تنشوي منه وجوههم حتى تسقط أشفار عيونهم ، وتتقطع منه أمعاؤهم حتى يتقيَّحون دما ، وربنا يشبِّه لنا الزقوم بالمهل لتقريب المعنى إلى أذهاننا المحدودة ، وإلا فهي أشد وأعظم من ذلك كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ( 45 ) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ والحميم هو الماء الحار جدا ، وحيث يصل المعدن كالرصاص أو النحاس إلى حد من الغليان يصير فيه كالماء فإن حرارته لا تطاق . [ 47 ] ولون آخر من العذاب يتجرعه المجرمون حينما يأمر الله زبانية النار بسحبهم إلى
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 6 ص 111 .