آجلا ، وفي دعاء كميل نقرأ تعبيرا عن هذه الحقيقة عند قول الإمام علي عليه السلام :
[ وَلا يُمْكِنُ الفِرارُ مِنْ حُكُومَتِكَ ]
« 1 » .
ومن فكرة الجزاء نهتدي إلى أن الدنيا دار ابتلاء ، وأنه لا بد من دار أخرى للجزاء ، ذلك أننا نجد البعض يموتون دون أن يلقوا جزاءهم في هذه الحياة ، أو يلقونه بأقل مما يستحقون . . فهل هذا - على سبيل المثال - كان جزاء شمر الذي أدخل الحزن على قلوب الملايين عبر التاريخ بقتل سيد شباب أهل الجنة أن يُقتل قصاصا وحسب ؟ ! كلا . . إن لهم جزاءً أكبر من ذلك في دار أخرى يلقى فيها الجميع جزاءهم الواقعي .
إن منهج طرح القرآن للموضوعات المختلفة منهج حكيم للغاية ، فهو من جهة يحدثنا عن جزاء المجتمعات السابقة ، ومن جهة يحدثنا عن هدفية الخلق ، ثم يذكرنا بيوم القيامة ، وهذه الموضوعات الثلاثة حينما تتفاعل عبر النظرة الواحدة للحياة تنسجم مع بعضها ، وتصير صورة واحدة متكاملة ، فربنا عاقب الأمم الغابرة مما يهدينا إلى أنه خلق الخلق لغاية لو زاغوا عنها عوقبوا بشدة ، ومن ثم يهدينا إلى أنه سوف يجازي الأفراد في الآخرة الجزاء الأوفى .
ولكن لماذا لا يضرب لنا القرآن أمثالا من حياة الأفراد ، كفرعون الذي أغرق في النهر ، أو قارون الذي خسف به وبداره الأرض ، أو إذا تكلم عنهم بمفردهم كان الحديث إشارة وحسب ؟
والجواب : إن النظر إلى جزاء أمة سيكون أجدى من النظر إلى جزاء فرد واحد ، لأن جزاء الأفراد قد يفسر بالصدفة ، ولكن جزاء الأمم وبتلك الصور المتميزة دليل على حكمة الباري ، وأنه المدبِّر للخليقة .
بينات من الآيات :
[ 30 - 31 ] بنو إسرائيل مثل حي لجزاء الأمم على أفعالهم خيرا أو شرا ، والقرآن ذكر هذا المثل لأن حياة بني إسرائيل تشبه إلى حد بعيد مسيرة الأمة الإسلامية من حيث إنهم كانوا أمة مؤمنة بنوا حضارة رسالية ثم انحرفوا كما هو حال المسلمين ، وإذا فضلهم الله على علم على العالمين فإن هذه النعمة ليست من قبيل الرزق الذي يهبه الله بلا سعي ، وإنما هي من قبيل الكسب ، وبنو إسرائيل بلغوا هذه الدرجة السامية بعملهم لا بعنصرهم ، وهذا بدوره يؤكد عقلانية العالم ، والحكمة الإلهية التي يقوم عليها ، ومن ثم يؤكد وجود الجزاء في الآخرة .
هامش
( 1 ) البلد الأمين : ص 188 ، من دعاء كميل .