الآخرة في صورة الثواب ، فكيف يضحِّي إذا شك في الجزاء ؟ .
وقد حذَّر الإمام علي عليه السلام من خطر الشك فقال
[ لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلًا ويَقِينَكُمْ شَكّاً إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا ]
« 1 » ، ومشكلة أكثر الناس أنهم يعلمون الحق ويؤمنون به ، ولكنه لا يتحول في حياتهم إلى منهاج عمل ، لجبْنِهم وفرارهم من تحمل المسؤولية ، فإذا بهم يشككون أنفسهم .
إن على الإنسان أن لا يشك بأن هواجس الشيطان تحيط به من كل جانب ، بل ويستعد لمواجهتها ، بخوف العاقبة السوء ، وعزيمة الإيمان .
[ 51 - 53 ] وفي مقابل هذه الصورة يبيِّن لنا القرآن الحكيم نعيم المتقين وكرامتهم عند الله ، وتختلف نعم الآخرة عن الأخرى الدنيوية . إنها خاصة بالمتقين ، وهم الذين يحفظون أنفسهم عن المحرمات ، ويؤلمون أنفسهم بترك الهوى ، وبالصبر على المصائب وألوان الأذى في الله ، وأخيرا بالاستقامة على الحق حتى الموت ، ذلك أن طريق الجنة محفوف بالصعاب والمكاره ، يقول الإمام علي عليه السلام وهو يوبِّخ الذين يريدون الجنة بلا ثمن :
[ أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللهُ عَنْ جَنَّتِهِ ولَا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ ]
« 2 » .
نعم ، إن الإنسان لا يستطيع بلوغ طموحاته اليومية ، بالتمنيات والأحلام ، فكيف يبلغ بها الجنة وهي أسمى الطموحات ، وأعلى الأهداف ؟ ! ثم إن الإنسان يحقق طموحاته في الدنيا بالسعي ، بينما لا يكفي السعي وحده لدخول الجنة ، إنما لا بد من العمل الصالح الذي يخلص صاحبه فيه نيته ، إذ لا يتقبل الله إلا من المتقين ، والكثير من الناس يصلون ويصومون ويحجون وينفقون ولكن عبثا ، ولا يبلغون بذلك جنات الخلد ، لأنها ليست خالصة لله ، وكيف ترفع الصلاة المحاطة بالشرك والسهو ؟ ! وكيف يتقبل الصيام رياء وسمعة ؟ ! وكيف يكون سعي الحاج مشكورا وحجه مبرورا وهو يخضع للطاغوت ؟ ! إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [ المائدة : 27 ] . وفي الأخبار أن العبادة أو الشعيرة التي يمارسها صاحبها لغير وجه الله تصير يوم القيامة حجرا تصك بها جبهته .
ونتساءل : من هو المتقي إذن ؟
إن المتقي هو الذي يتحول فعل الخير في حياته إلى سلوك مستمر ، أما الذي يفعل الخير إذا حقق مصالحه وأهواءه ، وأما إذا مُحِّص بالبلاء تركه ، فإنه ليس بمتق . . وربنا وعد المتقين وحدهم
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 2 ص 36 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 34 ص 89 .