تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
الثالثة ، وهو يحمل الرسالة حسب الآية الثانية ، ويؤِّيد به الرسل حسب الآية الأولى . وفي النصوص أنه خلق أعظم من الملائكة ، وهو الذي ينزل في ليلة القدر ، ويصعد مع الملائكة في يوم القيامة كما ذكر في الآية الرابعة . وهو بأمر الله ومن أمره ، فهو إذا من عالم الملكوت المهيمن على المخلوقات ، وبتعبير آخر : إنه من عالم الأنوار المتعالية عن عالم الأجسام اللطيفة كالملائكة أو الكثيفة كالبشر ، إنه في أفق العلم والعقل ، والحياة والقدرة ، وبذلك فهو من عالم الأمر ، حيث ينزل منه القدر ، ويكون به القضاء . ويكفينا أن نعرف من الروح هذا القليل الذي يشير إلى آياته وعلائمه ومظاهر وجوده وليس إلى ذاته ، كما في سائر الأنوار العالية التي لم نعرف علمها إلا بقدر معرفة آثارها ، وقد قال ربنا سبحانه : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] . وهكذا يبدو أن الروح - كما العقل والإرادة - هو نور إلهي ينزله الله على قلب من يشاء من عباده ، ليشبع فيه سكينة الإيمان ، ونور اليقين ، وسداد التوفيق ، وكلمة التقوى والعصمة . وقد أعطى ربنا المؤمنين من عباده درجة من هذا الروح وهو روح الإيمان والتقوى ، بينما أكمل لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وآله عليهم السلام درجات هذا الروح ، وأبلغهم درجة اليقين التام والعصمة . ولولا هذا الروح لم يكن يعرف الأنبياء أن ما ينقر في آذانهم أو يقذف في أفئدتهم أو تراه أبصارهم هو من عند الله وليس من نزغات الشياطين أو أوهام النفس . كما أنه لولا نور العقل لم يقدر الإنسان على التمييز بين الحق والباطل ، بين ما تراه عينه من ماء وما يتراءى له من سراب . ولولا روح القدس لم يهزم النبي الشيطان كليا ، كما أنه لولا روح الإيمان لم يتغلب المؤمن على الشيطان في الأغلب . وبتعبير آخر : بروح القدس تتكامل نفس النبي حتى تستعد لتلقي وحي الله ، كما بالعقل تتكامل نفس سائر البشر لتلقي المعارف والعلوم . إنه إذا الجانب المتصل بالنبي من الوحي ، بينما الرسالة هي الجانب المتصل بالحق الذي يوحى ، وكلاهما من الله سبحانه ، ولهذا جاءت كلمة الروح هنا بعد الوحي ، وكأنه أوحي به بينما هو من أمر الله ، وبه يسود النبي لتلقي الوحي . ونستوحي هذه الفكرة من بعض الأحاديث التي ذكرنا طائفة منها سابقا ، والتي تبين أن الروح خلق أعظم من الملائكة ، ونتلو معا الطائفة الثانية : - روي عن زرارة قال : [ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله عليه السلام : كَيْفَ لَمْ يَخَفْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله فِيمَا يَأْتِيهِ مِنْ قِبَلِ اللهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْزِغُ بِهِ الشَّيْطَانُ ؟ قَالَ : فَقَالَ عليه السلام : إِنَّ الله إِذَا اتَّخَذَ عَبْداً رَسُولًا أَنْزَلَ عَلَيْهِ السَّكِينَةَ وَالوَقَارَ فَكَانَ يَأْتِيهِ مِنْ قِبَلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِثْلُ الَّذِي يَرَاهُ بِعَيْنِهِ ] « 1 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 18 ص 262 .