وَأَمَّا وَحْيُ الإِشَارَةِ فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ] « 1 » . وما يجمع هذه المعاني وغيرها لكلمة الوحي هو الإلقاء إشارة وبنحو من التخصيص والستر .
ونتساءل : كيف يتم الوحي من الله للبشر ؟ . قبل الإجابة لا بد أن نعرف أنه لا ينبغي السؤال عن الكيفية في الجانب الألوهي ، لأن علمه محجوب عنا ، وقد ضل كثير من الناس حين تفكروا في الذات الألوهية وما يتصل به سبحانه من حقائق ، بلى ؛ يحق لنا أن نسأل عن الجانب الآخر حيث يتم التلقي والاستجابة والأخذ ، والقضية هنا هينة إذ إن لها أمثلة : فنحن البشر لم نعلم شيئا حين خلقنا الله من بطون الأمهات ثم قذف في قلوبنا العلم ، كما إن كثيرا من البشر يقذف الله في أفئدتهم نور معرفته وروح الإيمان به ، وكل ذلك نظائر للوحي . ولكن حين يكلم الله أحدا بالوحي فإن ذلك لا يعني مجرد قذف نور العلم بصورة مجملة ، بل وأيضا بيان تفاصيل العلم ، وبينات الهدى ، لأن القضية هنا قضية التكلم ، والتكلم يعني وجود كلمات ، والكلمات تعني المفصلات من العلم .
ويبدو أن الوحي هو اتصال مباشر بين الرب وعبده المنتخب ، ولعله أسمى درجات التكلم ، وقد كان نبينا صلى الله عليه وآله يعيش في لحظات التجلي وضعا خاصا كان يسمِّيه المسلمون ( برحاء الوحي ) . . سأل زرارة من الإمام الصادقعليه السلام قائلا : [ جُعِلْتُ فِدَاكَ الغَشْيَةُ الَّتِي كَانَتْ تُصِيبُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ، قَالَ : فَقَالَ عليه السلام :
ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله أَحَدٌ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى اللهُ لَه ]
« 2 » . وجاء في حديث آخر :
[ كَانَ جَبْرئِيلُ إِذا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله قَعَدَ بَينَ يَدَيهِ قَعْدَةَ العَبْدِ وَكَان لَا يَدْخُلُ حَتَّى يَسْتَأذِنَهُ ]
« 3 » .
من هنا فإن بَرْحاء الوحي إنما كانت تنتاب النبي عندما يتم تجلي الله له بالوحي المباشر ، وليس عندما يبعث إليه رسولا من عنده ( وهو جبرائيل عليه السلام ) الذي كان يتمثل في أجمل صورة وهو صورة دحية الكلبي المعروف بصباحة وجهه ، ولم ينزل عليه بصورته الأصلية إلا مرتين ، حسب بعض النصوص . . ماذا كانت برحاء الوحي ، ولماذا ؟ .
روي أنه كان إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل . وروي أنه كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه يتفصد عرقا « 4 » . وروي أنه
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 90 ص 16 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 256 .
( 3 ) علل الشرائع : ج 1 ، ص 7 .
( 4 ) أي إذا انتهى عنه الوحي تصبب عرقا ، بحار الأنوار : ج 18 ، ص 261 .