يوم
[ فَقَالَ لَهَا أَ لَسْتِ أُخْتَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عليه السلام ؟ . قَالَتْ : بَلَى . قَالَ : فَمَا هَذَا الجَهْدُ وَمَا هَذِهِ البَلِيَّةُ الَّتِي أَرَاكُمْ فِيهَا ؟ . قَالَتْ : هُوَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا لِيُؤْجِرَنَا بِفَضْلِهِ عَلَيْنَا لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ بِفَضْلِهِ مُنْعِماً ثُمَّ أَخَذَهُ لِيَبْتَلِيَنَا ، فَهَلْ رَأَيْتَ مُنْعِماً أَفْضَلَ مِنْهُ فَعَلَى إِعْطَائِهِ نَشْكُرُهُ وَعَلَى ابْتِلَائِهِ نَحْمَدُهُ ، فَقَدْ جَعَلَ لَنَا الحُسْنَيَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فَابْتَلَاهُ لِيَرَى صَبْرَنَا وَلَا نَجِدُ عَلَى الصَّبْرِ قُوَّةً إِلَّا بِمَعُونَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ ، فَلَهُ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ مَا أَوْلَانَا وَأَبْلَانَا ]
« 1 » .
هكذا يوجِّه المؤمنون الابتلاء والمصيبة ، ويقاومون وساوس الشيطان الذي يحاول تحريف مسيرتهم ، بينما يكفر سائر الناس بسبب الابتلاءات التي يتعرضون لها ، والتي لو درسناها لوجدنا أكثرها تحل بهم لذنوبهم وما قدمته أيديهم من سيئات . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ يكفر بالنعم القديمة كما يكفر بسائر النعم التي تحيط به الآن ، فتظلم الدنيا في عينيه ، ويفقد القدرة على مقاومة البلاء والتمتع بالرخاء .
[ 49 ] هذا ضعف الإنسان ، وخور عزمه ، أفلا اتصل بالقوة التي لا تقهر ، وبالملك الذي لا يحد ، وبالعزة التي لا تغلب ، بالله القوي العزيز ؟ . لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ومَنْ أوسع ملكا ممن يملكهما ، ومن أنفذ ملكا ممن خلقهما ؟ أوَليست السماوات مطويات بيمينه ؟ ثم إن ملكه لا يحد بالسماوات والأرض ، لأنه : يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ دون أن يحق لأحد الاعتراض عليه أو السؤال . وتتجلى هذه المشيئة في مختلف جوانب الحياة ، ومن بينها تصرفه في أعظم ما خوله للإنسان من الملك وهو الولد . يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ فلا الذي يريد الله أن يكون نسله كلهم إناثا قادرٌ على إنجاب الذكور ، ولا العكس . ولعل تقديم الإناث على الذكور كان للدلالة على أن البنت هي الأخرى هبة من الله عظيمة ، أو لأن الجاهليين كانوا لا يحبون الإناث ، ولكن الله - بالرغم من ذلك - يهب الإناث ، فهو الواهب لما يشاء ، كيف يشاء ، أفلا يدل ذلك على سعة ملكه ، وشدة هيمنته ؟
[ 50 ] أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً أي يجعل النسل من الجنسين الإناث والذكور ويجعل من يشاء عقيماً . فلا يهب له شيئا ، وهذه المشيئة ليست اعتباطية ، وإنما تدخل ضمن حكمة الله وإرادته المطلقة . إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ولو أنه يعطي الناس كيفما أرادوا لربما فسد العالم ، فقد يتمنى الجميع أو الأكثرية الذكور أو العكس ، بينما لا بد من التنوع والتوازن للحفاظ على الجنس البشري ، ومن جانب آخر يجعل ربنا البعض عقيما لحكمة يعلمها ، فربما يفسد العقيم لو أعطي ذرية . ومعرفة هذه الحقيقة تبعث السكينة في النفس ، فمن علم بأن الله هو الوهاب لأفضل النعمة وأشدها تأثيرا على النفس ، وهي نعمة
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 12 ، ص 352 .