ونتساءل : أنَّى لعامة الناس أن يراقبوا تصرفات الخاصة ، وبالذات ذلك الفقيه العارف بالدين ، والمضطلع في أحكامه ؟ بل حتى ولو افترضنا انحرافه عن جادة الحق ، فإنه قادر على تغليف انحرافه بتبريرات دينية . أو لم تكن سلطات الجور عبر التاريخ تُؤِّل الدين حسب أهوائها ؟ ! .
للإجابة عنه لابد أن نلفت لدور القيم التي تشكل محددات ثقافة الإنسان ومنبع تلك القيم والمعارف . فمنبع المعارف القرآن هو الكتاب المعجز الذي تحدى الله به عباده ولا يزال يتحداهم أربعة عشر قرناً ، ولم يستطع أحد الاستجابة لهذا التحدي الأعظم ، هذا القرآن ليس فقط الأكثر تلاوة بين الكتب ، بل وأيضاً الأبلغ تأثيراً . وقد صاغ القرآن ، شخصية الأمة المؤمنة بالقيم الإيمانية حتى أصبحت جزءاً منها . ورأس القيم توحيد الله ، واتباع رسل الله ، وولاية أوليائه ، وتكريم المؤمنين والأخوة معهم ، وتجاوز العصبيات . . والعدل والصدق والأمانة ، والإنصاف والإحسان وسائر المبادئ السامية ، وهي الميثاق الإلهي بين الحاكم والرعية ، فمن اتبعها كان حرياً بقيادة الأمة . . ومن خالفها وجب عليها القيام ضده . ومن هذه القيم ، بل من أعظمها ؛ رعاية حق الأمة في الانتخاب ، فمن صادرها بأي تبرير ، حق للأمة القيام ضده . ومن هنا فإن مقياس الأمة الواعية التي تستحق الحياة الكريمة أن يحافظوا على حقهم في تنحية الحاكم عن كرسي الحكم . . وما القيم التي يبرر بها الحكام استمرار سلطانهم ، إلّا أفكاراً جاهلية ، وإيحاءات شيطانية ، أتعب الحكام الفاسدون أنفسهم في اختراعها ، وأنفقوا أموالًا طائلة في بثها بين الناس ، واشتروا ضمائر الكتاب التافهين وأدعياء الدين ، حتى كرسوها بين العوام . وهنا بالذات حلبة الصراع الأساسي بين العدل والسلام ، والحرية والتقدم ، وبين القيم الجاهلية ، وعلى طليعة الأمة من المجاهدين والمثقفين والصالحين ألّا يألوا جهداً في بث قيمة الحرية في الأمة ، وأن يحددوا الجناة الذين يبغون مصادرتها ، ويعلموا الناس كيف يدافعون عن حقهم .
جيم : أن الشورى ليست في أحكام الله وإنما في أمور الناس . فبعد أن يؤمن الناس بدين الله فإنهم يُسلِّمون لحكمه وشرائعه . نعم إن أمور الناس في مستويين ؛ أولهما يتصل بالمتغيرات والحوادث واستنباط التشريعات المناسبة من ثوابت الدين . والشورى هنا في مقام النبي صلى الله عليه وآله وخلفائه عليه السلام غير واردة ، وهي في غير المعصوم عليه السلام شورى أهل الخبرة بالفقه وبالواقع الخارجي وموضوعاته . وثانيهما يتصل بالبت والقرار وإدارة الحياة العامة والشورى فيها عامة .
وجوهر الشورى هو فهم المتغيرات . لأن الشورى لا ارتباط لها بالصورة العامة للقوانين ، بل ترتبط بأمورنا العامة ، وأمورنا هي متغيرات الإنسان : وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ
من هدى القرآن — صفحة 404
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٤