كلمات في الشورى
أولًا : الشورى تستند إلى أمرين :
الأول : ضرورة تراكم الخبرة وتكثّف التجارب ، لأن الناس هم معدن الحكمة التاريخية ، ومرتكز التجارب المتواردة .
الثاني : إن الحياة سلسلة من الخيارات والاختيارات ، والعاقبة فيها للحسنى ، قال سبحانه : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ [ الأعراف : 145 ] .
ثانياً : انتخاب الأحسن ليس مجرد حق للإنسان يقتضيه وجود العقل عند الإنسان ، بل هو أيضاً واجب ومسؤولية ، أوَليس انتخابه يؤثر في حياته ؟ ! ، أوَ ليس الإنسان مسؤولًا عن حياته ، فكيف لا يختار ؟ ! .
إن هاهنا ثلاث نظريات في الشورى :
الأولى : تقول بأن الشورى ( حق ) .
الثانية : ترى أنها ( واجب ) .
الثالثة : تجمع بين النظريتين ، وبالذات في المسائل العامة التي تتعلق بمصير الأمة وشؤونها . وعلى ضوء هذه النظرية ( الشورى حق وواجب ) لا يجوز لحاكم الشرع ولو كان الفقيه العادل أن يجري الأمور في إدارته للأمة كما يريد ، وإنما يجب عليه أن يستشير الآخرين ، ويجمع علمهم وعقلهم إلى ما عنده ، ثم يتخذ القرار على أساس هذه المشورة ، كما يجب من جهة أخرى على الآخرين أن ينصحوه ، ومن أبرز الواجبات الإسلامية النصيحة لولي الأمر . . وهكذا روي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله :
[ مَا مِنْ رَجُلٍ يُشَاوِرُ أَحَداً إِلَّا هُدِيَ إِلىَ الرُّشْدِ ]
« 1 » .
ثالثاً : ولأن الشورى انعكاس لروح الإيمان فهي تتسع لسائر مرافق حياة الجماعة المؤمنة ، ابتداء من الأسرة ، وانتهاء بالدولة ، ومرورا بالمرافق الاجتماعية والاقتصادية ، والشؤون البلدية والقروية . إنها أكثر من مجرد نظام سياسي ، بل تشكل جوهر العلاقة بين المؤمن وأخيه المؤمن ، لأنها نابعة من احترام المؤمن ورأيه ثم التسليم للحق ، والبحث عنه أنى وجد .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 9 ، ص 57 .