الجواب : إن الله أنزل على الإنسان العقل ، وضمنه مقاييس ثابتة ، وعلمه كيف يعكس هذه المقاييس العقلية على أجهزة وأدوات وقوانين وتشريعات يقيس بها الأشياء ، وأمر في كتابه الناس إلى الالتزام بما تعارفوا عليه بعقولهم . وإنما بعث الرسل ليوقظوا العقل من سباته ، ويحرروه من أغلاله ، ويضعوا عن عقول الناس أقفالها ، ويرفعوا حجبها .
وهكذا وجب الاهتمام بالقسطاس ، قال الله سبحانه : وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ [ الشعراء : 182 ] . إن إقامة الميزان من حقائق القرآن ، ومن تجليات الرحمة الإلهية ، وهي - إلى ذلك - تتناسب ونظام الخلقة . فالله سبحانه الذي رفع السماء بنظام وموازين ، لولاها لفسدت السماء والأرض ، يأمر بإقامة الميزان ، لأن الخلل فيه طغيان ويسبب الفساد . فالنظام في الطبيعة قائم على التقدير ، ومن خالف الميزان خالف القسط وهو في طريق الفساد . قال الله سبحانه : وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [ هود : 85 ] .
وحين توافق الكتاب والميزان ، عرف الناس بما لديهم من ميزان إلهي ( وهو العقل ) صدق الرسالة ، وعلموا بهداية عقولهم أن دعوة الرسل صادقة ، لأنها تتناغم وما يجدونه بنور عقولهم وسنن الكون .
والرسل عليهم السلام وأوصياؤهم الصادقون يمثلون بحق هذا الميزان في الشؤون الحياتية ، لأنهم يهدون بالحق ، ويسعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويخالفون أهواءهم ، ويلتزمون بدقة متناهية بالأحكام التي يأمرون الناس بها ، فهم الميزان الصادق بين الحق والباطل ، وهم القضاء العدول بين الناس ، وهم القسطاس المستقيم في المعارف الإلهية .
ومن هنا قال بعض المفسرين : إن المراد بالميزان النبي محمد صلى الله عليه وآله « 1 » . ولعل التفسير الشائع بين المفسرين يعود إلى هذا المعنى حيث قالوا أن الميزان هو العدل ، إلا أنهم لم يذكروا كيف يقام العدل . أوليس بحاكم عادل يأمر الله باتباعه ، والتحاكم إليه ، والتسليم لقضائه ، كما قال سبحانه : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] .
كما إن ذكر الميزان في سياق سورة الشورى التي تمحورت حول فض الخلافات يدل على أهمية القيادة العادلة في القضاء على الصراعات الاجتماعية . ولا تتم معرفة الله إلا بالعقل ، جاء في الحديث المأثور عن الإمام الكاظم عليه السلام :
[ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الحُجَجَ
هامش
( 1 ) فتح القدير : ج 4 ص 531 .