واستجاب الله دعواته الخالصة بالنصر . ألم يعدهم بذلك حين قال : إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ؟ فما بقي عذر لهؤلاء الذين يحاجون في الله ، ولا يسلمون أمرهم لرسوله ، وحان ميعادهم ، فحجتهم داحضة ، ليس فقط لأنها باطلة ، بل وأيضا لأن الاستجابة للرسالة هيأت أرضية نصر الله لها . . وسوف تتوالى عليهم الهزائم الفكرية بدحض حجتهم ، والهزائم الدنيوية والسياسية بأن عليهم الغضب المتمثل في الفشل ، والأخروية بأن لهم العذاب الشديد . ومن هنا نعرف أنه حين يستجيب فريق للرسالة فإنه يقترب ميعاد نصرها من عند الله ، وتكون حجة المعاندين داحضة ، وسعيهم في ضلال .
[ 17 ] ومن المقاييس التي يعرف الحق بها القرآن بآياته البينة الواضحة ثم الميزان . اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ جملة الحقائق ، ابتداء من التذكرة بالله وأسمائه الحسنى وآياته في الأنفس والآفاق ، واستمرارا مع تبصرة الإنسان بنفسه وشفاء أدوائه ، وانتهاء بالأحكام التي تفصل بين الناس بالعدل . وَالْمِيزَانَ وقد أنزله الله علينا حين هدانا إليه لنطبق العدل بيننا . وقد اختلف المفسرون في معنى الميزان ، فقال البعض : إنه مجمل الأحكام الشرعية التي جاءت بها الرسالات . أوليست تفصل بين العباد ، وتحدد حقوق وواجبات كل واحد بالنسبة إلى الآخرين ، وأن المعنى أن الله أنزل الميزان في الكتاب ، الذي ليس فقط يشتمل على الحق بل ويفصله ضمن موازين أي أنظمة عادلة . وقال أكثر المفسرين : إنه العدل ، ولكن لم يذكروا كيف أنزله الله . وقال البعض : إنه هذا الميزان الذي يقيس به الناس أشياءهم ، ولم يحدد هو الآخر كيف أنزله الله .
ولكن يبدو لي أن الميزان - هنا - شيء آخر أنزله الله إلى جانب الكتاب ، ويشهد على ذلك أنه لم يعطف كلمة الميزان إلى الحق بأن يقول : أنزل الكتاب بالحق وبالميزان .
وقد قال ربنا في سورة الحديد : وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [ الحديد : 25 ] .
وقال سبحانه في سورة الرحمن : وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ [ الرحمن : 7 - 8 ] .
وقال تعالى في سورة [ الأعراف : 85 ] : فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ .
فالميزان - إذا - قيم الكتاب ، وأوضح معانيه هذا الذي يتعارف الناس عليه في قياس سلعهم ، وفي تحديد حقوق بعضهم على البعض ، ويبقى السؤال : كيف أنزله الله ؟ .
من هدى القرآن — صفحة 365
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٥