الثانية : تتمثل في أن الله جلت قدرته يسلب منهم حلاوة اليقين أي إنهم يعيشون دائماً حالة الشك ، فالإنسان الذي يفكر في نفسه وقضاياه وأموره ومصالحه الشخصية ، وتَرِدُ إلى ذهنه الكثير من الأفكار الشيطانية ، فإنه يفقد حلاوة المناجاة والصلاة والتعبد ، لأن قلبه مشغول دائماً بنفسه . وهكذا أوصت الآية بالعلاج الجذري للخلافات البشرية التي تنبعث من اتباع الأهواء والظلم على بعضهم ( البغي ) ذلك هو روح اليقين في الكتاب ، والابتعاد عن حالة الشك والتردد فيه ، كما أشارت إلى سنة التراخي عن اليقين بسبب طول الأمد ، حيث يختلف الالتزام بالكتاب بين الجيل الذي هبط فيه الكتاب ، وبين الذين أورثوا الكتاب ، والشك المريب هو الشك المتعلق الذي يثير الاضطراب .
[ 15 ] وحيث قضى الله سبحانه في كتابه بالحق ، يجب على الرسول وعلى كل مؤمن أن يدعو إليه ، ويستقيم على نهجه بالتحصن ضد الأهواء والصراعات ، لأنه لو زاغ المؤمن إلى جانب من جوانب الصراع لانتهى دوره في الهيمنة على الخلافات الاجتماعية . فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ إنما اتبع الهدى الموحى إليك من ربك ، بعيدا عن الضغوط والدعايات . هنا يأمر القرآن الرسول ومن خلاله كل من اتبعه :
أولًا : بالدعوة ، وإعلان الكلمة الصادقة ومن ثم إعلان المواجهة مع الكفر .
ثانياً : بالاستقامة ، بالصبر على الأذى الذي يلحقه من جراء الدعوة .
ثالثاً : بجعل القرآن منهاجا للعمل .
رابعاً : عدم التنازل عن الدعوة تحت ضغوط الآخرين الذين يتبعون أهواءهم ، لكي يبقى الدين خالصا لله .
وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ لأن الميزان هو الوحي ، وكما أوحى الله الكتاب على نبيه محمد صلى الله عليه وآله فقد أوحى إلى موسى وعيسى عليهما السلام ، وإعلان الرسول أنه مؤمن بسائر الرسالات الإلهية شاهد على أن دعوته لا تشوبها ذرة من الذاتية ، إنما هي دعوة خالصة إلى الله وإلى كتبه ورسالاته جميعا ، وهكذا ينبغي أن يكون محور الإنسان هو الحق ، سواء كان متمثلا في ما عنده أو عند الآخرين .
وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ على ضوء منهاج الكتاب ، لأن العدالة وحدها الكفيلة برفع أنواع الخلافات فيه . أليس البغي جذر كل خلاف ؟ كذلك العدل أرضية الوحدة ، وحين لا يكون العدل يتهاوى عرش التجمع على أطرافه ! يقول الإمام علي عليه السلام :
[ وإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ
من هدى القرآن — صفحة 363
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٣