إن البعض يستعجل فض الخلافات ، ويريد ذلك في أسرع وقت ، ولذلك يبيِّن القرآن هنا فكرة سبق أن بيَّنها في أكثر من موقع ، وهي عدم استبعاد الساعة ، وإنما توقعها في كل حين .
بينات من الآيات :
[ 14 ] إن العامل الأقوى في اختلاف الناس وتفرقهم ليس هو الجهل بالحق ، لأن الحق غالبا ما يكون واضحا بيِّنا ، وإنما يختلفون بسبب شهواتهم وأهوائهم التي تقودهم للبغي على بعضهم ، فهم المسؤولون عن الخلافات التي بينهم . أوليس قد جاءهم من الله العلم حتى يقضي عليها ؟
والمشكلة الرئيسة التي يعاني منها الإنسان ؛ وهي أن الإنسان يريد أن يسرق جهود غيره ؛ ولذلك نجد أن أكثر أسباب التفرق تنبع من هذه الطبيعة البشرية غير المهذبة . فإذا رضي كل إنسان بما يعمله وينتجه لما حدثت مشكلة في العالم ، ولكن كل واحد يريد أن يأخذ من الآخرين زيادة على ما يمتلكه . فكل إنسان يتصور أنه أعلى وأسمى من الآخرين ، وكل واحد يظن أن حقوقه أكثر من الآخرين ، وأنه يستحق أكثر مما يعطى له . وهنا يستغل الشيطان هذه الثغرة في نفس الإنسان ليوسوس ، وليوحي إليه إن حقه مهضوم ، وأن الآخرين لا يقدِّرونه حق تقديره . . في حين أن هذا التصور مغلوط من الأساس ، لأن الإنسان لا يستطيع أن يقيّم نفسه حسبما يشاء .
ولو استطاع الإنسان أن يتجاوز هذه المشكلة في ذاته لزالت جميع الاختلافات ، لأن القرآن الكريم يقول : وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وربنا يمهل الناس في تفرقهم ، ولكنه لا يهملهم إذ سبقت منه كلمة أن يعطيهم الفرصة لاختبار إرادتهم ، ولولا ذلك لكان ينهي الصراعات إلى صالح الحق في أسرع وقت ، ويهلك أهل الباطل بلا إمهال .
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ومن أسباب تفرُّق الناس أيضا : ابتعادهم عن القيم التي تمثل ضمان الوحدة . . وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فبينما كان الكتاب وسيلة للوحدة عند الأجيال الملتزمة التي آمنت به وعملت بآياته ، أصبح الشك فيه عاملا خطيرا في التمزق والتفرقة .
ونستنتج من هذه الآية الكريمة أن نهاية البغي تتمثل في خسارتين :
الأولى : هي خسارة الدنيا ؛ أي إن الله تبارك وتعالى سوف يأخذ هؤلاء أخذاً شديداً ، وينهي حضارتهم ، ويقضي عليهم لأنهم تفرقوا ، ولأنهم بغوا على بعضهم .
من هدى القرآن — صفحة 362
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٢