من أجل القيم ، فالقيم لا اختلاف فيها ، وإنما الاختلاف نتيجة للبغي والسعي وراء حطام الدنيا .
وعندما يجد الإنسان الخلافات الاجتماعية ، يكاد ينكر هيمنة الخالق على الخلق ، ويظن أنه تعالى فوَّض الأمور إليهم ، ويتساءل : إذن لماذا لا يحكم الرب بين عباده ، ويفض الخلافات ؟ ولماذا لا ينصر أصحاب الحق ؟ .
وما هي إلا وسوسة شيطانية لفصل الخلق عن هيمنة الله ، إذ إنها تدفع الإنسان لاختيار وسائله الكفيلة بتحقيق مصالحه ، ولا يهمه بعد ذلك لو ترك الدين جانبا ، والآية الأولى من هذا الدرس تؤكد أنه قد سبقت كلمة تقضي بتأجيل الحسم في الخلافات ، وأن ذلك لا يدل على التفويض أو الإهمال ، من قبل الله ! بل مجرد إعطاء فرصة للابتلاء ، ولولا ذلك لكان يأخذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر .
ويعتمد الاختلاف على أرضية الشك بالقيم الحقيقية المتمثلة في الكتاب ، ولذلك لا تختلف الأمم حين تعتمد الكتاب محورا لوحدتها ، ومرجعا لخلافاتها وصراعاتها ، ولكنها حينما تفقد الإيمان بالكتاب ، وتبحث عن مصالحها على حساب الآخرين ، تتنامى صراعاتها ، لأن الضمانة التي تحجز عن دفع الصراعات نحو التطرف هو الإيمان بالقيم والاعتصام بحبل الله ، وإلا فما أسرع تأثر البشر بالأحداث الاجتماعية والسياسية من حوله - فهو وبسبب نفسه الأمارة بالسوء - يسعى للتطرف في الرد على من يخطئ عليه أو يقصر تجاهه ، وفي قوله تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [ المائدة : 8 ] ، إشارة صريحة لهذه الطبيعة في الإنسان ، وإنما يستطيع أن يتجاوزها باليقين والاستقامة ، فلا تدفعه الأهواء ولا الدعايات الضالة إلى المواقف المتطرفة تجاه الآخرين ، وهذا أمر صعب أن يقول الإنسان الحق ، سواء كان معه أو ضده ، وهذا ما أمر به الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يعدل بين الناس ، لأن العدل ينتهي في الأخير إلى صالح الإنسان ، ثم إن كل فرد مسؤول أمام الله عن أعماله في الحياة ، فلا داعي إذن لفرض أحد آرائه على أحد ، فالكل يتحمل مسؤولية عمله ، ويتلقى جزاءه .
ثم يؤكد القرآن بأن الله لا يهمل الصراعات إلى الأبد ، وإن كان سبحانه لا يتدخل فيها بصورة مباشرة ، فيد الغيب تتدخل إلى جانب الحق ، في الوقت المناسب لتدحض حجة الباطل ، ولكن متى يكون ذلك ؟ . حينما تهبط الرسالة يؤمن بها مجموعة من الناس ، ويلتفون حول صاحبها ، بينما يخالفهم فريق آخر وبحجج واهية ، فينصر الله المؤمنين على أعدائهم ، ولا شك أن الرسالة وحدها لا تنتصر ، إنما تنتصر الرسالة التي يلتف حولها الناس ويدافعون عنها .
من هدى القرآن — صفحة 361
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦١