تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
[ 48 ] وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ عرفوا أنه ليس للشركاء المزعومين دخل في الأمر . وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ المحيص هي تلك الحفرة الصغيرة التي يحفرها الطير - كالقطا مثلا - بجؤجؤته أي بصدره في الأرض ، وهؤلاء المشركون يظنون أي يعلمون يقينا أنهم لا يقدرون على التزحزح عن مسؤولياتهم ولا بهذا المقدار ، ولعل الظن بمعنى التصور ، وهو هنا يقع معنى تجسد الحقيقة أمام أعينهم . [ 49 ] في أعماق نفس البشر آيات باهرة تهديه إلى ربه ، ولو تدبر الإنسان في ذاته ، وكيف تطرأ عليه الحالات المختلفة من طمع لا يحد ، ويأس لا يوصف ، لعرف حاجته إلى الخالق ، وأنه قد أركس في العجز والفقر والمسكنة إركاسا . إن البشر حين ينازع ربه رداء كبريائه يحتجب عن نور الله ، لأنه قد جهل نفسه ، ولم يعرف آماد عجزها وضعفها ، وشدة فقرها وفاقتها ، أما حين يتصور حالاته المختلفة يعرف نفسه ، ومن ثم يعرف ربه . وربنا يرينا آياته في أنفسنا فيقول : لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ إنه عميق الإحساس بالحاجة إلى الخير من الغنى والعافية ، والأولاد ، وسواء دعا ربه أم دعا الشركاء فهو محتاج ، والمحتاج فقير ذليل عاجز ، وهو بالتالي ليس بإله ولا نصف إله . إنه محض عبد ، صفر اليدين . إنه يتوب إلى ربه الغني ، ويعلم بفطرته أنه غناه ، والتقرب إليه مناه حقا ، وأنه قد ضل الطريق ، وأن حرصه على الدنيا لا يشبع طموحه ، ولا يشفي غليله ، إنما الأوبة إلى ربه غاية تطلعه ، ونهاية منيته . يقول الإمام السجاد عليه السلام وهو يناجي ربه : [ إِلَيكَ شَوقِي ، وَفي مَحبَتَّكَ وَلَهِي ، وَإِلى هَوَاكَ صَبَابَتِي ، وَرضَاكَ بُغْيَتِي ، وَرؤُيَتكَ حَاجَتي ، وجِوَاركَ طَلَبِي ، وَقُربُكَ غَايَةَ سُؤْلِي ، وَفِي مُنَاجَاتِكَ رُوحِي وَرَاحَتِي ، وَعِندَّكَ دَوَاءُ عِلَّتِي ، وَشِفَاءُ غَلَّتِي ، وُبَردُ لَوْعَتِي ، وَكَشْفُ كُرْبَتِي - إِلَى أَنْ يَقَولُ : - وَلَا تَبْعُدنِي عَنْكَ ، يَا نَعيَمِي وَجَنَّتِي ، وَيَا دُنْيَايَ وَآخِرَتِي ] « 1 » . وهذه النفس الواسعة التي تتطلع إلى امتلاك الدنيا وتزيد قد تضيق بها الآفاق حتى يطبق عليها اليأس من أطرافها . أوليس ذلك دليلا على فقر البشر ، وشدة حاجته ، وسفاهة تكبره على ربه . وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ولعل اليأس هو قطع الأمل قلبيا ، بينما القنوط هو التوقف عن السعي بسبب اليأس ، والكلمتان مثل لفظتي اليوم والنهار إذا اجتمعتا افترقتا ، وإن افترقتا اجتمعتا ، فلو استخدمنا لفظة اليأس فقط أعطت معنى القنوط ، وهكذا العكس ، ولكن حينما نستخدمهما فإن لكل واحدة منهما معنى . وقال البعض : يؤوس شدة اليأس من الخير ، وقنوط من الرحمة ، وقال : اليؤوس من إجابة الدعاء ، قنوط يسيء الظن بربه .
هامش
( 1 ) الصحيفة السجادية : مناجاة المريدين .