تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
فهو محاسب عن ذلك . إن الله القدير الحكيم لم يخلق الدنيا الا ليعلم من يصمد أمام امتحاناتها ومن ينهار . . إذا فالابتلاءات ضرورية إلى حد ما لفلسفة هذا الكون ذلك لأن للابتلاء غايات عديدة وأسباب مختلفة . ومن مبدأ الحرية وسنة الابتلاء فالحياة الدنيا دار بلاء وامتحان وقد ترك الله الناس يختارون ما يشاؤون حتى يختاروا طريقهم بأنفسهم ويحصلوا على الجزاء المناسب . وأجرى الرب تعالى سننا في الخلق ربطت تداعيات الحوادث بين أسباب ونتائج ، وأوشجت عرى العلائق بين البشر حيث يكون لأفعالهم تأثير بالغ على بعضهم البعض ، والأمر ذاته بين البشر وعالم الطبيعة ؛ فالسماء تدر خيرها أو تحبسه بتقدير العزيز الحكيم ومن سنن التقدير أفعال العباد . فنلاحظ هنا أن المرء مسؤول عن إصلاح نفسه ومحيطه الاجتماعي . إلا أن المحاسبة الأخروية على السعي الفردي في الإصلاح ، بيد أن نتائج سعيه إيجابا أو سلبا يغنمها أو يصطلمها في حياته الدنيوية ، فهو لم يطالب بالسعي لتغيير الواقع إلا لكون الواقع هو صنيعة الأفعال البشرية في إطار السنن الربانية . ومن جهة أخرى أن المحاسبة الأخروية تعتمد تفاعل ( السعي ، الواقع ) من حيث إمكانيات السعي وفرص النجاح . فلو لم يربط ربنا سبحانه بين عمل الإنسان وبين واقعه ، وبين سعيه وبين جزائه لكان ظلاما - تعالى علوا كبيرا - . فليس من الظلم أن يصبح شخص رئيسا تهدى إليه خيرات الأرض وبركاتها ، ويصبح ويمسي شخص آخر وهو لا يجد ما يقتاته ؟ ! بلى ، إنه ظلم ، وظلم كبير لو لم نلحظ الحكمة الإلهية والسنن التي تربط بين أفعال البشر وواقعهم ومصيرهم . وحيث نعرف أن الله الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن بالحكمة البالغة ، والتقدير العادل الموزون ، ووضع كل شيء موضعه المناسب ، ليس بظلام ، نعرف يقينا أن درجات الإنسان في الدنيا والآخرة مقدرة حسب حكمة بالغة ، ترتبط باختياره وسعيه ، وإِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [ الرعد : 11 ] ، وإِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ يونس : 44 ] . فربُّنا لم يسلط هتلر على الشعب الألماني أبدا ، ولكنهم هم الذين سوَّدوه على أنفسهم ، بجهالتهم وبتركهم مسؤولياتهم ، وهكذا بالنسبة لسائر الشعوب . [ 47 ] وهناك تساؤل آخر تجيب عنه الآية الآتية ، هو : إننا في كثير من الأوقات لا نكتشف الأسباب في حدوث الأشياء ، فنقول مثلا : من الذي جعل الطغاة يحكمون البلاد ؟ ، وتلك الأمراض والأوبئة ، وتلك الحوادث التي تكتنف حياة البشر . . كيف تحدث ولِم ؟ . وإذا كنا - معشر البشر - لا نعلم ذلك فكيف يكون الانسان مسؤولا عما يُحيط به ! .
من هدى القرآن — صفحة 330 | السيد محمد تقي المدرسي