تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
[ 51 ] تقدِّم أطوار نفس الإنسان دليلا وجدانيا على عجزه وحاجته إلى الخالق وإلى الرسالة التي تربيه وتزكيه ، ولو عاد الإنسان إلى حرم نفسه لشاهد فيها من آيات الله بما يراها في آفاق السماء والأرض . ومن تلك الأطوار مدى تأثره بحالة الغنى والفقر ، والعافية والمرض . وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ إنه في حالة الرخاء والنعمة يعرض عن ذكر الله ، ويتجنب الداعين إلى الله ، بجعل جانبه مواجها لهم ، ثم يتولى عنهم . وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ وأما إذا أصابه شر فإنه يعتكف في المسجد ليبدأ مرحلة التبتل والدعاء ، وهذا التوجه إلى الدعاء العريض من بعد ذلك الإعراض دليل ضعفه عن مواجهة المشاكل ، ومعرفته بأن الله هو المتفضل بالنعمة عليه ، ولكنه لضيق نفسه ومحدودية استيعابه تاه في غرور النعمة ، وفقد سيطرته عليها ، وجعلها حجابا بينه وبين الله . وهذا الإنسان الذي تتحدث الآية عنه قد يكون هو أنا وأنت ونحن ، لذلك لا بد أن نعي وننتبه ، لا بد أن نعقل ونحذر . [ 52 ] بعد أن ألقى السياق الضوء على مدى العجز والفاقة والمسكنة التي أركست فيها نفس الإنسان حتى تراها تتأثر إلى حد التطرف بالمؤثرات الخارجية ، مما يهديه إلى سفاهة الكبر ويشعره بضرورة العودة إلى فطرته في التسليم لربها ، بعدئذ أخذ - السياق - يذكره بضرورة أخذ الحيطة لنفسه ، وقال : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ أي لو كان القرآن حقا ثم كفرتم به ، ولم تقوموا بالاحتياط الكافي لأنفسكم ، فإنكم سوف تصبحون في ضلال بعيد عن جادة الحق . إن الإنسان يبحث فطريا عن الأمن ، ولولا الكبر الذي انطوت نفسه عليه والغرور والحجب لاستمع إلى إنذار الرسل ، وقال في نفسه : لو كان هذا الإنذار صحيحا لوجب أخذ الحيطة لنفسي بالاستماع إلى شواهد المنذرين وآيات الله التي تتجلى على أيديهم ، ولو فعل ذلك وألقى السمع من دون وقر الكبر والعجب اهتدى إلى الحق . ثم إن عقل الإنسان يهديه بضرورة أخذ الحيطة حتى بمجرد افتراض صحة ما يقوله الرسل ، بهذا ذكر الإمام الصادق عليه السلام أحد الملحدين الذي طال جداله في الدين ، فبعد أن رأى عبد الكريم ابن أبي العوجاء الإمام في الحج ، وطلب منه العودة إلى النقاش ، رفض الإمام قائلا : [ لَا جِدَالَ فِي الحَجِّ . وَنَفَضَ رِدَاءَهُ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ عليه السلام : إِنْ يَكُنِ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُ - وَلَيْسَ كَمَا تَقُولُ - نَجَوْنَا وَنَجَوْتَ ، وَإِنْ يَكُنِ الأَمْرُ كَمَا نَقُولُ - وَهُوَ كَمَا نَقُولُ - نَجَوْنَا وَهَلَكْتَ . فَأَقْبَلَ عَبْدُ الكَرِيمِ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ : وَجَدْتُ فِي قَلْبِي حَزَازَةً فَرُدُّونِي فَرَدُّوه فَمَات ] « 1 » . [ 53 ] وأما الطريق إلى الحقيقة فهو بديع الخلق وحقائق النفس .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ، ص 87 .
من هدى القرآن — صفحة 334 | السيد محمد تقي المدرسي