هدى من الآيات :
إن المنهج القرآني يربط بين ما في الطبيعة وما في النفس البشرية ، والآية ما قبل الأخيرة من هذه السورة تؤكد هذه العلاقة الوثيقة ، وكلما ازداد الإنسان وعيا بآفاق الطبيعة ازداد معرفة بأعماق النفس . أوليست النفس عالماً كبيراً في حجم محدود ، وسواء اهتدى الإنسان إلى غيب الطبيعة الذي هو الحق ، أو اهتدى إلى غيب النفس الذي هو الحق أيضا ، فإنه سيهتدي بإذن الله إلى خالق الطبيعة والنفس معا ، وهو الله عز وجل .
وفي الدرس تذكرة بالغة للإنسان بنفسه التي هي الأقرب إليه ، ولكنه يغفل عن آمادها التي لو انتبه إليها أحس بعمق العبودية التي أركزت فيها . أولا ترى كيف تجزع إن مسها شيء من السوء ، وتفقد توازنها إن أصابها شيء من الخير ؟ ، أولا ترى حرصها على النعم الذي يمنعها من العطاء ، وشدة يأسها وقنوطها ؟ ، إن أطوار النفس وتغيراتها شاهدة على أنها مخلوقة مدبرة ، وتلك آية من آيات الله في الخليقة .
بينات من الآيات :
[ 46 ] مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ تبيِّن الآية المسؤولية الإنسانية : أن من عمل صالحا فإنما لنفسه يعمل ، ويلقى جزاءه الحسن وافيا ، وأن من عمل سيئا فإنما على نفسه ، ويجد جزاءه كاملا . وكلمة ظلّام تدل على المبالغة في الظلم ، وربنا ليس فقط لا يظلم كثيرا عبيده ، بل أيضا لا يظلمهم قليلا . إذا فلماذا ينفي الرب ظلمه بصيغة المبالغة فيقول : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ! . وسبب هذا التساؤل هو التشابه الذي سيحدث بنفي المبالغة ، فلو قلت : فلان لا يأكل ، فهذا يعني أنه لا يأكل كثيرا ولا قليلا ، وأما لو قلت : وما فلان بأكول ، فهذا يعني أنه لا يأكل كثيرا ، ولكنه قد يأكل قليلا ، فنفي المبالغة نفي للكثرة فقط .
ذكر جملة من المفسرين أن ذلك باعتبار أن المولى الحق عدل فقليل الظلم في ساحة قدسه كثير ، أو باعتبار أن الظلم القليل مهما كان قليلًا مع الكثرة التي لا تحصى من الخلائق فإنه سيكون كثيرا جدا ، أو للإشعار بأنّ من فعل الظلم وإن قلّ - وهو عالم بقبحه ، وبأنّه غنيّ عنه - لكان ظلاما .
والجواب - في ما يبدو لي - أن هذا الدين يقرر مبدأ الحرية والمسئولية ، أي مبدأ التبعة الفردية . ومن جهة أخرى فإن الإنسان مسؤول عن واقعه الفردي والاجتماعي وإصلاحه ،
من هدى القرآن — صفحة 329
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٢٩