تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
والأعجمي . قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ يهديهم إلى الحق ، ويشفي قلوبهم من أمراضها ، أما المعرضون عنه فإنهم لا ينتفعون بالكتاب . إن في آذانهم وقرا من الأفكار الباطلة ، والمسبقات الذهنية الخاطئة . وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى قالوا : معناه أنهم محجوبون عنه حتى صاروا بالنسبة إليه كالأعمى ، ولعل معناه أنهم يزدادون به ضلالا وطغيانا كما قال ربنا : وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [ الإسراء : 82 ] . أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ذلك أن المسافة واسعة بين القرآن وهداه وشفائه وقلوبهم المغلفة التي غلفتها الشهوات والكبر والأحقاد . [ 45 ] وقصة الجحود طويلة ، فلقد أنزل الله التوراة على موسى عليه السلام فاختلف فيها الناس على الرغم من أنها كانت هدى ونورا . وأمهلهم الله حتى يمتحنهم ، ولولا أنه قد قدر امتحان البشر في الدنيا لقضى بينهم ، وأخذ الجاحدين أخذا شديدا ، لأنهم قد جاؤوا إفكا مبينا ، ولا يزال البعض يشك في التوراة شكا مقلقا . وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فاختلافهم في القرآن ليس دليلا على نقص فيه ، حاشا لله ! إنما هو بسبب وقر آذانهم ، وعمى أبصارهم ، وكما أن الله لم يعجِّل على أولئك بالعذاب ، بالرغم من عظيم إفكهم ، كذلك لم يعجِّل العذاب على هؤلاء . كل ذلك لأن الله قد قدر الدنيا دارا للفتنة والبلاء . وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ونزل عليهم العذاب ، ولكن الله قد سبقت كلمته أن يمهل الجاحدين إلى أجل مسمى فلا يغرهم المهل ، ولا يتخذ البعض ذلك دليلا على أن الله لا يعز كتابه أو لا ينصر رسله . وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ قالوا : المعنى أن العرب لا يزالون في شك من القرآن ، وقال البعض : بل اليهود لا يزالون في شك من التوراة ، ويبدو أن هذا أقرب إلى السياق الذي فيه تسلية للرسول ليتسق المعنى ، هكذا : لا يحزنك - يا رسول الله - شك قومك في القرآن فبنو إسرائيل لا يزالون في شك من التوراة . وقالوا : الريب هو أفظع الشك ، فالمعنى - على هذا - أنهم في شك فظيع . وقالوا : الريب هو الشك المقرون بسوء الظن . ويحتمل أن يكون معنى الريب هو الشك المفزع ، فقد جاء في اللغة : أراب خلافا أقلقه وأزعجه ، وفي حديث فاطمة : [ يُرِيُبنِي مَا يُرْيُبهَا ] « 1 » . ولعل الفارق بين الشك المريب وغيره : أن من يهتم بأمر يشك فيه يريبه الشك ويزعجه ، بينما الذي لا يهتم بأمر لا يزعجه الشك فيه .
هامش
( 1 ) النهاية في غريب الحديث : ابن الأثير : ج 2 ، ص 287 ، مواهب الجليل : الحطاب الرعيني : ج 5 ، ص 12 ، تحفة الأحوذي : المباركفوري : ج 5 ، ص 425 .
من هدى القرآن — صفحة 327 | السيد محمد تقي المدرسي