ويعني حرف الآخرين عن الإيمان كمن يحرف آيات الله ، وقالوا : إن الآية نزلت في أبي جهل ، بينما ذهب مفسرون آخرون إلى أن المعنى : الذين يميلون عن آياتنا ، ويبدو هذا المعنى أقرب إلى السياق . لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا بالرغم من أن الملحد يتشبث بالتمحلات البعيدة ، ويحاول إخفاء رفضه للآيات بابتداع نظريات وفلسفات وأفكار باطلة وتخرصات واهية تُغَلِّف إلحاده ، إلا أن كل ذلك قد يخدع الناس ، وقد يخدعهم أنفسهم ، ولكنه لا يخفى على الله ، لأن الله محيط علما بنياتهم الخبيثة ، ويجازيهم عليها بالنار .
أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ميزة الإنسان عن سائر الأحياء تطلعه إلى مستقبل أفضل . ألا ترى كيف تبحث البشرية اليوم إلى التقدم الحضاري ؟ لماذا ؟ لأنهم يريدون أمن المستقبل ، ولكنهم يغفلون عن أعظم أمن لا بد أن يسعوا إليه ، وهو أمنهم يوم القيامة ، الذي لا يتوفر إلا لمن ألقى السمع إلى آيات ربه ، واستجاب لها بخشوع . ولأن الاستجابة لآيات الله تتم بوعي وشدة عزم من قبل المؤمنين فإنهم يأتون بأنفسهم إلى ساحة المحشر آمنين ، بينما الإلحاد يتم استسلاما للهوى فإن الملحدين يلقى بهم في نار جهنم إلقاء .
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لقد سمح الله لعباده بقدر محدود من الحرية في الدنيا ليتحملوا مسؤولياتهم كاملة يوم القيامة ، ولكنه حذرهم من مغبة الإلحاد ، والالتواء ، والتبرير ، وخداع الذات ، لأنه بصير بما يعملون ، فيعلم فعلهم ، ولماذا يفعلون ؟
[ 41 ] الكتاب الذي أنزله الله لعباده يعكس آياته المبثوثة في الخليقة ، فمن أعرض عنه فقد أعرض عن حظه ، لأن الكتاب ذكر يستثير ما نسيه البشر من حقائق هامة . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ إنهم هم الملحدون في آيات الله ، وإن مصيرهم الدمار ، لأنهم أعرضوا عن كتاب مقتدر . وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ وكيف لا يكون عزيزا وقد وعد رب العزة أن يحفظه ، وينصر من ينصره ، وأن يبارك في العاملين به ، وإنه ليعكس سنن الله التي تنتقم ممن خالفها بشدة ، وقد أنبأ الرسول صلى الله عليه وآله عن عزة الكتاب حيث قال عنه :
[ ومَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الجَنَّةِ ومَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ ]
« 1 » . وقال المفسرون : إن خبر المبتدأ هنا محذوف لدلالة السياق ، كما لو قلنا : إن من يعادي زيدا وإن زيدا لقوي ، أي إنه لا يفلح لأن من يعاديه قوي .
[ 42 ] وعزة القرآن تتجلى أيضا في أنه حق ، والحق منتصر . لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ فلا إخباره عما مضى يشوبه الباطل ، ولا إنباؤه عما يأتي . معارفه ووصاياه ؛
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 59 ، تفسير العياشي : ج 1 ، ص 2 .