تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
وجدت ؟ وكيف تعود حين تذهب ؟ بلى ، إنك إن سمحت لنظراتك أن تعبر حاجز الظاهر إلى حقيقة السنن فإنها تغور في ألغاز الخليقة . لا بد أن تلامس رافد الحقيقة عن كثب ، أما إذا وقفت على الشاطئ باسطا كفيك إليه ليبلغ فاك فلن يبلغه ، خُضِ البحر حتى تحظى بالجوهر ، ألقِ الحجاب عن عينيك ترى قدرة الله تتجلى في البساط الأخضر الذي يفرشه الربيع - بإذن الله - على الأرض من ملايين النباتات المفعمة بأسرار الحياة . إن تنوع النباتات ، وسرعة التهاب الحياة في جنباتها ، وانسياب القدرة من أطرافها ، يهدينا كل ذلك إلى أن إحياء الموتى على الله يسير ، والبشر بدوره كنبتة واحدة بين ملايين النباتات . بل يهدينا ذلك إلى أن القدرة الإلهية لا تحد ، لأن شدة التنوع ، وكثافة الخلق ، وعظمة التدبير ، وسرعة التطوير ، لا يدع كل ذلك مجالا للشك في أن الله واسع القدرة ، ولا شيء يعجزه أبدا . إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ جاء علي بن فضال إلى الإمام الرضا عليه السلام يسأله : لم خلق الله الخلق على أنواع شتى ، ولم يخلقه نوعا واحدا ؟ فأجابه قائلا : [ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الأَوْهَامِ أَنَّهُ عَاجِزٌ فَلَا تَقَعُ صُورَةٌ فِي وَهْمِ مُلْحِدٍ إِلَّا وَقَدْ خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا خَلْقاً ، وَلَا يَقُولُ قَائِلٌ : هَلْ يَقْدِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ عَلَى صُورَةِ كَذَا وَكَذَا إِلَّا وَجَدَ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ؛ فَيَعْلَمُ بِالنَّظَرِ إِلَى أَنْوَاعِ خَلْقِهِ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ] « 1 » . [ 40 ] قلب البشر كالأرض ، إذا خشع لربه واستجاب لآيات الله أحياه الله بالإيمان أما إذا استكبر ولم يستجب لآيات الله كان كالصخرة الصماء التي لا تهتز للغيث . وبما أن الخليقة تفيض بآيات الله فإن الكفار يسعون جاهدين التخلص من آثارها على نفوسهم ، فتراهم يلحدون فيها ، ويحرفونها عن مواضعها ، ويبحثون لأنفسهم عن تبريرات لكي لا يؤمنوا بها ، ولكن هل تنطلي تبريراتهم وخدعهم على ربهم ؟ كيف وهو الذي خلقهم وأحاط بهم علما ؟ إنهم سوف يلقون في نار جهنم يوم القيامة ، لقد فروا من مسؤوليات الإيمان إلى ظل الإلحاد ( التبرير ) زاعمين أنه ينجيهم من العقاب ، بينما النجاة كانت في التسليم لآيات الله ، وتقبل مسؤولياتهم . إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا جاءت هذه الآية بعد ذكر الآيات ، لأن كثرة الآيات لا تنفع من يتهرب من التأثر بها ، وقال فريق من المفسرين : إن معنى الإلحاد هو ما كانوا يفعلونه من المكاء والتصدية ، وكأنهم نظروا إلى ظاهر كلمة الإلحاد الذي يدل على الفعل المتعدي إلى الغير ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 3 ، ص 41 .