تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
خير عظيم حظي به فهو يحمد الله أبدا على هذا التوفيق ، فلا يطلب على دعوته أجرا من الناس أو شكرا ، وإذا واجه إعراضا أو كفورا لا يلويه ذلك عن سبيل الدعوة ، لأن دعوته مدفوعة الثمن سلفا من عند ربه . ثم إن دعوته ليست مجردة عن سلوكه . إنه يسارع إلى تنفيذ شرائع الله ، والعمل الصالح ، والتسليم للقيادة الشرعية ، والرضا بها ، مما يشهد بصدقه في دعوته ، كما يشهد على صدق دعوته ، فمن دعا إلى الله حقا فقد عرف ربه ، ومن عرف ربه صلحت أفعاله ، ولم يطلب علوا في الأرض ولا فسادا ، بل سلم الأمر لله ولأولى الناس برسول الله . وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ فهو أول من يسلم وجهه لربه ، ويعلن عن ذلك ، ويتحدى بدعوته الطغاة والجبابرة ، كما ويجابه بها شيطان نفسه النزاعة إلى الرئاسة والسلطة . وهكذا تبصِّرنا الآية - بكلمات وجيزة بليغة - بشواهد الصدق في الدعاة ، وكيف أنهم الأحسن قولا ، والأسبق إلى تهذيب النفس من شوائب الهوى في الدعوة ، وتهذيب أسلوب الدعوة من الرعونة والخشونة والكلمات النابية . . إن من الناس من يدعو إلى الله ، ويختار وسيلة معينة لهذه الدعوة ، مثلا ينتمي إلى جماعة رسالية ناشطة ، أو ينخرط في سلك العلماء والخطباء ، أو يصدر صحيفة ، أو يفتح دارا للنشر وهكذا . . ويقف الشيطان له بالمرصاد فيضله عن السبيل فيحرف اهتمامه من الله إلى تلك الوسيلة التي اختارها ، فإذا به يجعل تنظيمه أو جماعته أو مؤسسته محور دعوته ، ويصارع من أجلها سائر الدعاة إلى الله ، وبدل أن يذوب نفسه في بوتقة الدعوة تراه يذوب دعوته في بوتقة نفسه ، ويضل ضلالا بعيدا . ولعل خاتمة الآية تعالج هذه الحالة ، إذ الإسلام هو التسليم ، والتسليم يتنافى والصراعات المصلحية عند الدعاة يقول أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام : [ لَأَنْسُبَنَّ الإِسْلَامَ نِسْبَةً لَا يَنْسُبُهُ أَحَدٌ قَبْلِي وَلَا يَنْسُبُهُ أَحَدٌ بَعْدِي إِلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ إِنَّ الإِسْلَامَ هُوَ التَّسْلِيمُ وَالتَّسْلِيمَ هُوَ اليَقِينُ وَاليَقِينَ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالتَّصْدِيقَ هُوَ الإِقْرَارُ وَالإِقْرَارَ هُوَ العَمَلُ . . . ] « 1 » . [ 34 ] الذي يدعو إلى الله يختار أحسن القول ، فما هو الأحسن ؟ هناك الحسنة والسيئة والفارق بينهما كبير ، ولكن للحسنة درجات متصاعدة ، كما أن للسيئة دركات متسافلة ، والداعي إلى الله يختار الأحسن بين درجات الحسنة . . وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ قال الشيخ الطبرسي : والمعنى : ( أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما ، فلا تستوي الأعمال الحسنة والأعمال السيئة ، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان ) « 2 » . ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وحسب هذا التفسير ، معناه : اختر من الحسنات أفضلها ،
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 45 . ( 2 ) جوامع الجامع : ج 2 ص 482 .