[ 31 ] من ارتقى ذروة الإيمان عاش هنالك وحده ، ويخشى عليه وحشة الانفراد ، فهاهم أصدقاؤه يتفرقون عنه لأنه يستقيم على الحق ، وهم يتساقطون تحت وطأة الضغوط ، حتى يقول مثلما قال أبو ذر : ( مَا تَرَكَ الحَقِّ لي صَدِيْقاً ) « 1 » . وها هم أسرته يتخلون عنه ، ويقولون له لا تحملنا ما لا طاقة لنا به . . وها هو المجتمع الفاسد أو اللامسؤول يواجهه ، أو لا أقل يتخلى عنه في ساعة المواجهة ، حتى لتكاد الدنيا تضيق به على رحبها . . هنالك تتنزل عليه ملائكة الله ليعلنوا ولاءهم له ومساندتهم إياه . ومن عاش مع الملائكة الموكلين بشؤون الكائنات لا يبقى غريبا . إنه يمشي في الاتجاه الصحيح مع كل الخليقة ، إنما أعداء الحق هم الغرباء ، لأنهم يعيشون ضد سنن الله في خلقه ، وفي الاتجاه المضاد لحركة الكائنات . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لقد عاش إبراهيم عليه السلام وحده في ذروة التوحيد ، فهل كان غريبا ؟ وكيف يكون غريبا يتنزل عليه جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ؟ وحين وضع في المنجنيق ليرمى به في النار ، هرعت إليه سائر الملائكة الموكلين بشؤون الطبيعة ، وعرضوا عليه دعمهم له ، فلم يقبل ، إنما سلم أمره إلى الله ، فجعل الله النار بردا وسلاما عليه . وَفِي الآخِرَةِ عندما تبلغ النفس التراقي ، وتهبط على ابن آدم كربة الموت ، ويقف أحباؤه حياله عاجزين عن تقديم أي عون له ، هنالك تهبط ملائكة السلام على من استقام من المؤمنين فيبشرونه بالجنة . الله أكبر ، ما أحلاها من بشارة ، وما أعظمها من نعمة .
وعندما يوضع الإنسان في لحده ، ويتفرق عنه أبناؤه وأحباؤه ، وقد تركوه تحت التراب وحيدا غريبا ، تهبط ملائكة الله بالبشرى على المؤمن ، ويزيلون وحشته ، ويرافقونه حتى النشور ، وعندما يبعث الناس إلى ربهم في صحراء المحشر يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [ عبس : 34 - 36 ] ، ويَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا [ النحل : 111 ] ، وحينها لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 37 ] ، هنالك يتقدم ملائكة الرحمة لمرافقة المؤمنين إلى ربهم .
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ لقد زهدوا في الدنيا وشهواتها ، فعوضهم الله بنعيم الآخرة ، وإذا كانت شهوات الدنيا مشوبة بالآلام ، ومشحونة بالمصائب والنكبات ، وهي سريعة الزوال ، فإن نعيم الآخرة التي تشتهيها نفوسهم صافية لا زوال لها . بلى ؛ إن الدنيا والآخرة ضرتان ، فمن رغب في الآخرة زهد في الدنيا ، ومن أذهب طيباته في هذه الحياة الزائلة ، فسوف لا يجد نعيما في تلك الحياة الأبدية .
لقد رُئِيَ على إمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام إزار خلق مرقع ، فقيل له في ذلك ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 31 ص 180 .