تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
ومن الوسائل أبلغها أثرا فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ إن الداعي إلى الله يدل الناس إلى ذروة الكمال ، ولا يوفق لهدفه إلا إذا اكتملت نفسه أولا ، واستطاع أن يتعالى على غضبه ومصالحه ، فإذا كانت بينه وبين أحد من الناس عداوة لا يستغل مركزه لتحطيمه ، بل يسعى إليه ليهديه حبا له ، وحبا لدعوته ، إذ إن وجود حزازات بين الناس وصاحب الدعوة تؤثر سلبيا على الدعوة ، ولكن ماذا يملك الداعية في هذا السبيل ؟ إنه يملك نفسه فيسخو بها لربه ولدعوته ، فإذا به يتنازل عن حقوقه ، وعما يسمى عند الناس بالكرامة الشخصية ، ويطفق بالإحسان إلى أعدائه . ثم يستخدم حكمته في اختيار السبيل الأحسن ، ذلك أن التدبير وحسن الإرادة في الدعوة إلى الله ذو أهمية كبيرة ، بالرغم من صعوبتهما البالغة ، إذ إن حسن الإدارة بحاجة إلى علم غزير ، وتفكر مستمر ، ومقدرة فائقة في تنفيذ المهام ، مثلا يستدعي التدبير - عادة - الكتمان ، واتباع السبل الخفية في العمل على ما نحمل من مشاق كبيرة ، ولكن أنى كانت الصعاب فإن الكتمان وسيلة مهمة لإنجاح مهام الدعوة . أولم يقل الرسولصلى الله عليه وآله : [ اسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالكِتْمَانِ ] ؟ « 1 » . وهنا نعرف عمق تفسير أهل البيت عليهم السلام حيث جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام : [ الحَسَنَةُ التَّقِيَّةُ والسَّيِّئَةُ الإِذَاعَةُ ] « 2 » . ثم إن طموح الداعية عال حيث لا يسعى إلى تجنب أذى العدو ، بل إلى جعله وليا حميما له . إنه يسعى أبدا لكسب الناس لدعوته . [ 35 ] إنها القمة السامقة في الخلق الرفيع ، لن يبلغها إلا من تميز بأمرين : الصبر والحلم . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا فمن تجرع مرارة الصبر أوتي الخلق الرفيع . والصبر في جملة معانيه التطلع إلى المستقبل ، ومعايشة أحداثه ، بتجاوز اللحظة الراهنة . وهناك علاقة قريبة بين الصبر والحلم ، فمن أحاط معرفة بالمستقبل ، وطبيعة سير الأحداث ، لم يستبد به الحدث الحاضر ومؤثراته ، ولعله لذلك قال ربنا سبحانه : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ فمن كان حظه عظيما من اليقين والحكمة حَسُنَ خلقه ، وصبر على المكاره . والآية تشير إلى أن من يرد الإساءة بالإحسان يكون مجمل حظه عظيما ، حيث جاءت الكلمة مطلقة ، مما يعني أنه ينتصر في صراعه مع منافسيه وأعدائه ، ويتمتع بالسلام الداخلي - النفسي - ، فيتمتع بالتقدم والرقي في كافة الحقول . [ 36 ] لأن الاستقامة ، وردِّ الإساءة بالإحسان ، والصبر ، صعب مستصعب ، فإن
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ح 74 ، ص 153 . ( 2 ) الكافي : ج 2 ص 217 .