تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
بلى ، إن أحسن القول هو الدعوة إلى الله المقرونة بالعمل الصالح والتسليم ، والمقرونة كذلك بالخلق العظيم الذي يختار صاحبه أحسن السبل فإذا بالعدو يصبح وليا حميما . وإنها لذروة الفضيلة لا يبلغها إلا الصابرون من ذوي الحظوظ العظيمة ! وقد يدفع الشيطان أحدهم إلى الوراء قليلا ، ولكنهم يستعيذون بالله من شره فيستجيب الله دعاءهم . بينات من الآيات : [ 30 ] كما يمكن أن يتسافل الإنسان إلى الحضيض حيث يقيِّض له الله سبحانه قرناء يزينون له سوء عمله فلا يهتدي أبدا إلى السبيل ، كذلك يستطيع أن يسمو ويسمو حتى يصبح فؤاده مأوى لملائكة الله ، فئة تهبط وفئة تعرج متى ؟ حين يكفر بالطاغوت ، ويعلن توحيده على الملأ ، ويقول : ربي الله ، لا الأصنام لا الأنداد لا المجتمع الفاسد لا السلطة الطاغية . إنه لا يكتفي بالإيمان في قلبه بربه ، بل يعلنه متحديا القوى المادية ، وبذلك يشق للناس طريق التوحيد بين أوغال الشرك . إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ إنهم قالوا ذلك ، والقول بذاته تحدي ، والتحدي بدوره دعوة . إنه دعوة بكسر حاجز الصمت ، والخوف ، ومقاومة حالة اليأس والسلبية . إننا أمرنا بأن نعلن البراءة من المشركين ، ومما يشركون به ، أفلا نتلو سورة الإخلاص : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] ! . إن المطلوب منا أن نقول كلمة التوحيد بما تحمل من مخاطر الرفض والتمرد ، وهي حقا أعظم كلمة في عالم الإنسان ، لأنها مفترق الطريق بين العبودية والتحرر ، بين الذلة والعزة ، بين النار والجنة . ثُمَّ اسْتَقَامُوا وماذا تعني كلمة التوحيد من دون الاستقامة ؟ أوليس التوحيد بمعنى رفض الأنداد ، رفض سلطة الطغاة ، والمترفين ، وحمير الأسفار ، فإذا عاد الإنسان وخضع لهؤلاء الأنداد فإنه ينفي أصل التوحيد . ويبدو أن الله سبحانه يهدي العبد إلى معرفته ، ويدله على ذاته بذاته ، ثم يبتليه بألوان الفتن ، تارة في ماله ، وأخرى في جسده ، وثالثة بتسليط الجبابرة عليه ، وهكذا ليمتحن إيمانه ، فإذا انهار وكله إلى نفسه ، وأما إذا استقام نَزَّل عليه ملائكته ليثبتوه . وهكذا تتركز صعوبات الاستقامة في أيامها الأولى ، حيث لا تتنزل الملائكة ، وحيث يتساوى الناس في درجة الضغط الذي يتعرضون له لامتحان قوة إيمانهم ، أما في المرحلة التالية فإن من استقام تهون عليه الضغوط لنزول الملائكة عليه بالسكينة والتأييد . تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا من المستقبل وما يحمله لكم من آلام ، وهكذا يزيل الملائكة عن قلب المستقيم أثر أمضى سلاح تستخدمه قوى الشرك وهو سلاح الإرهاب . وحين نسير في الأرض نرى الخوف أعظم دعامة لحكم الطغاة والمستكبرين ، فإذا تجاوز إنسان أو شعب حاجز