وقرناء السوء نوعان :
الأول : ظاهر ، وهو الصديق السيئ الذي يصاحب الإنسان ويرافقه ، وحين ينحرف الإنسان يجد نفسه في جماعة المنحرفين ، وإن الطيور على أشكالها تقع .
الثاني : باطن ، وهو الشيطان الذي يزيِّن له السيئات .
* وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ قالوا : أصل كلمة ( القيض ) بمعنى القشرة المحيطة بالبيضة ، وأن إيحاء ( قيَّض ) التسلط الكامل ، والإحاطة التامة ، ولكن يبدو لي أن معنى قيَّض انتخاب الشيء المناسب ، فإن حجم قشرة البيض مناسبة لذات البيضة ، كذلك يتم اختيار القرين المتناسب للشخص : فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أعمال الفساد التي لم يرتكبوها .
وَمَا خَلْفَهُمْ من الأعمال التي ارتكبوها . وقالوا : ما بين أيديهم الدنيا ، وما خلفهم الآخرة ، وقيل العكس .
ولكن يبقى سؤال : لماذا يقيض الله قرناء السوء لهؤلاء ؟ .
الجواب : لأن الله قد غضب عليهم ، وفرض عليهم الضلالة بسوء اختيارهم أولا ، كما فعل بأسلافهم من الأمم السابقة ، ويا لسوء العاقبة . إن الرب الرحمن الرحيم الذي هو السبب الوحيد للهداية يريد إضلالهم وتعذيبهم ! وَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ولعل المراد من الجن هنا الشياطين الذين يقيِّض الله منهم قرناء للخاسرين .
[ 26 ] وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ والغوا فيه : أي أثيروا اللغو حينما يقرأ القرآن لصرف النظر عن أفكاره الحقة . وفي كل عصر ومصر هناك محاولات خاصة للغو في القرآن ، ففي بدء الدعوة الإسلامية كانوا يحضرون القصاص بجانب الرسول ليرووا للناس القصص التاريخية الخيالية ، وكان هناك من لا يفرق بين القرآن وتلك القصص التافهة ، فيجلس عند القصَّاص ليستمع إليها ، ويَدَع الرسول صلى الله عليه وآله ورسالته الحضارية ، وفي بعض الأحيان كان يقوم أحدهم بالتصفيق عند تلاوته أو التصفير . . وكل ذلك بهدف جذب انتباه الناس لكي لا يفهموا حقائق الرسالة ، وأما في هذا العصر فقد تطورت أساليب اللغو الذي يثيره الكفار في القرآن ، إذ إن عشرات الألوف من الصحف المأجورة ، والإذاعات ، ومحطات التلفاز ، ومراكز صناعة الأفلام ، تمثل اليوم ظاهرة اللغو الذي يثيره الكفار بين الناس لمنعهم من الاستماع إلى القرآن .
من هدى القرآن — صفحة 308
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠٨