بشدة ممن خالفهم ، بعد انقضاء أجلهم .
[ 79 ] الآيات الخارقة التي كان المبطلون يزعمون أنهم إنما يؤمنون بالرسالة إذا وقعت ، ليست في الواقع مختلفة عن آيات الله المبثوثة فيما حولهم ، إلا أنهم تعودوها فلم تعد تثير فيهم الإعجاب ، وإنهم لو شاؤوا الإيمان لكفتهم هذه الآيات شواهد على توحيد الله ، ولكن قلوبهم كانت عليلة ، وهم بحاجة إلى استيعاب عبرة الأمم الذين خسروا حين جاءتهم الآيات التي طالبوا الرسل بها . وهكذا نجد السياق ينذر من طرف خفي بمصير أولئك الغابرين كل من لا يفتح أبواب فؤاده لآيات الله في الخليقة . اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا فهي ذات الأنعام ولكن الله جعل فيها فوائد عظيمة للبشر فمنها ركوبكم . وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ والمسافة شاسعة بين حاجة الأكل وحاجة الركوب ، فبينما الأكل طعام الإنسان لا بد أن يكون متناسبا مع متطلبات جسده ولينا ، وقابلا للقضم والهضم ، نجد مركبه ينبغي أن يكون قويا ومتناسبا وطبيعة الأرض سهلها وحزنها وجبلها وحرتها !
دعنا نقيس السيارات التي اخترعناها لسيرنا ، هل تتشابه وخلق الله ؟ إنها بحاجة إلى وقود لا يوجد في كل أرض ، بعكس طعام الأنعام النابت من كل أرض توجد فيها ، وهي بحاجة إلى مصانع ، بينما الأنعام تتوالد ، وهي ليست قابلة للأكل بعكس الأنعام . . وأخيرا فهي بحاجة إلى طرق معبدة ، بينما تسير الأنعام في أشد السبل وعورة . أولا يدل ذلك على حسن تدبير الله لحياة الإنسان ؟ !
وبالرغم من أن مكاسب الحضارة الحديثة بدورها شاهدة على عظمة الله ، لأنها بالتالي تهدينا إلى عظيم خلق الإنسان الذي سخر الله له الطبيعة بالعلم والقدرة ، إلا أنها تكشف أيضا عن خبايا الطبيعة المحيطة بنا ، التي هي خليقة الله ، ومن أحسن منه خلقا وتدبيرا .
[ 80 ] وفي الأنعام منافع أخرى في جلودها وأوبارها وأشعارها وحتى في فضلاتها ، واليوم حيث أغنى الله الإنسان بوسائل السير السريعة عن الأنعام لازلنا بحاجة ماسة إلى تلك المنافع . وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ قالوا : تحمل أثقالكم إلى بلاد بعيدة ، وتقضون بها حوائجكم ، ويبدو لي أن في الآية إشارة إلى الزينة التي جعلها الله للإنسان في الأنعام ، حيث قال ربنا سبحانه : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [ النحل : 6 ] . ومعروف العلاقة الحميمة التي تنشأ بين الأنعام ومالكيها بسبب وجود هذه الحاجة في الصدر . وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ فالله الذي خلق الإبل ليطوي به الإنسان المفاوز البعيدة ، هو الذي أجرى سننه في البحر ، وسخر للإنسان الفلك ليحمله عبر المحيطات إلى البلاد البعيدة .
من هدى القرآن — صفحة 274
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٤