[ 81 ] فهذه آيات الله يستعرضها ربنا في كتاب الخليقة وفي ثنايا كتابه المرسل ، ليعرِّف نفسه إلينا من خلالها ، حتى لا نكاد نقدر على إنكارها لشدة وضوحها وكثرتها وتنوعها ، فإذا ضل الإنسان فإنما يضل على نفسه ، وبعد كمال النعمة وإتمام الحجة . وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ .
[ 82 ] وماذا يغني الإنكار - لو أنكرتم - عنكم شيئا ؟ ! إن الحجة قد تمت ، والإنذار قد كان بالغا ، والانتقام شديد ، ولكم في حياة الغابرين عبرة لا ينبغي تجاوزها ، أولئك أيضا أنكروا اعتمادا على قوتهم وغروراً بما لديهم من علم ، واستهزؤوا بالحقائق إيغالا في اللهو واللعب ، فانظروا كيف كانت عاقبة أمرهم ، فما راعهم إلا وبأس الله على رؤوسهم ، فأعلنوا الإيمان لعله يدفع عنهم قضاء الله ، ولكن هيهات !
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ لينظروا مصارع عاد وثمود وأصحاب الأيكة ، وليقرؤوا على بقايا قلاع بعلبك ، وأهرامات مصر ، وأطلال مدينة بابل ، وما في المدائن و . . وتاريخ الظالمين . بلى ، ساروا وقرؤوا وحفظت كتب التاريخ ، ومتاحف البلاد ، وروايات الناس كثيرا من هذه الحقائق ، ولكن الاعتبار هو المهم . فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وهل أنهم انتهوا لقلة عددهم ، أو ضعف عدتهم ، ومحدودية آثارهم بالقياس إليهم ؟ كلا . . كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ لقد عمروا الأرض بإثارة التراب وتغيير ملامحه أكثر مما فعل هؤلاء فما أغنت عنهم القصور الشامخة ، والقلاع المنيعة ، والمنائر الضاربة في السماء فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ .
[ 83 ] لقد اعتمدوا على منطق القوة فرفضوا المنطق السليم ، وأرادوا دعم منطقهم بأموالهم وآثارهم في الأرض ، زاعمين أنهم على حق لأنهم الأقوى ظاهرا ، وأن علمهم هو الأفضل لأنهم أكثر عددا وعدة فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ ولعل معنى الفرح هنا : الاستغناء به عن العلوم الأخرى ، كمن يعتز برأيه ، وهذا يوجب الانغلاق دون الأفكار الجديدة ، وهذه في الواقع عادة الظالمين حيث إنهم يصابون بالتعصب والتقليد حتى لكأن قلوبهم في أكنة ، يخشون من كل جديد ، وينغلقون دون كل دعوة . وهذا ليس من حكمة العلماء إنما هي صفة أصحاب القوة ، فالعلم بذاته يدعو إلى التواضع ، ويهدي صاحبه إلى آفاق جهله ، وآماد المعارف التي يجب عليه السعي إليها ، وقد شبه بعضهم العلم بحلقة في صحراء الجهل كلما اتسعت حدودها لامست مساحات جديدة من هذه الصحراء ، لذلك ترى أحد العلماء يقول عند موته عندما يسأل : ماذا علمت ؟ يقول : علمت بأني لا أعرف شيئا .
بلى ، إننا نجد بعض الجهلاء اليوم يفتخرون بعلم العلماء ( لا علمهم هم ) ويرفضون
من هدى القرآن — صفحة 275
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٥