تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
تدمير ، وسوف تلاحقهم لعنة اللاعنين ، وسوف ينتصر الرب لرسالاته ، ويمكن المستضعفين في الأرض ، كل ذلك وعد من الله ، ولن يخلف الله وعده ، ولكنه بحاجة إلى الصبر . فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ بما أن الرسول ومن يتبع نهجه لا يبحث عن النصر لنفسه ، بل لرسالته ، فإن النتيجة عنده واحدة سواء انتصرت مبادئه في حياته أو بعد وفاته . إن الرسول والمؤمنين قد شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله ، ولا يبحثون عن تشفي نفوسهم بالانتقام من أعدائهم ، بل يفوضون أمرهم إلى ربهم فسواء انتصروا أم توفوا ، فإنهم قد أدوا واجبهم . حقا إنه أعلى درجات الإيثار ، يؤدب الله بها من اصطفاهم من عباده الأكرمين ! كم هي صعبة ( وعظيمة في الوقت ذاته ) أن يستخلص قلب الداعية من كل رغبة خاصة حتى ولو كانت رغبة الانتقام من أعداء الله . ولكن هذا هو المطلوب في حركة أتباع الأنبياء ، ولولاه لكانت تزيغ عن الصراط المستقيم ، ولانعدم الاطمئنان إليها وإلى حملتها ، ولم تقم الحجة على عباد الله حيث إن طلاب المناصب كثيرون ، ولو وضع هؤلاء أيضا المنصب نصب أعينهم لاشتبه الأمر على عامة الناس ، فلعل هؤلاء أيضا اتخذوا الدين وسيلة للسلطة ، كلا . . إن هؤلاء من نمط آخر ، فحتى لو سعت إليهم السلطة سعيا ابتعدوا عن لذاتها وبهارجها ، فهذا قدوتهم المثلى سيد البشر محمد بن عبد الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وآله سعت إليه قريش يعرضون عليه أجمل نسائهم ، وأصفى أموالهم ، والملك عليهم ، فرفض إلا تبليغ دعوته . ولو خالط حب الدنيا قلب الداعية أثر من حيث يدري أو لا يدري على قراراته الاستراتيجية ، ذلك أن عمل الإنسان إنما هو تجسيد لنياته ، وقد قال ربنا : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [ الإسراء : 84 ] ، فشخصية الإنسان الداخلية تبرز من خلال أعماله شاء أم أبى ، وهكذا تنحرف الرسالة عن مسيرها القويم ، إذا لم يخلص حملتها نياتهم لله . وإن فريقا من المنتمين إلى الحركات الرسالية يزعمون أنها حركات سياسية ولكن بصبغة إلهية ، فإذا زويت عنها المكاسب العاجلة لمصلحة سائر السياسيين اتهموا قادة الحركة بالسذاجة والانطواء ، وحين يطول انتظارهم للنصر تراهم يرتابون في القيم رأسا ، وينسحبون عن الساحة ؛ كلا . . إنها حركات دينية أولا ، وسياسية ثانيا ، ذلك أنهم لا يصوغون استراتيجيتهم وفق المتغيرات السياسية ، بل حسب الواجبات الدينية ، وأعينهم مسمَّرة على أجر الله ورضوانه قبل أن ترمق ملامح نصره ، ولذلك تراهم لا يداهنون أعداءهم ، ولا يتنازلون عن قيمهم ، لا يخادعون الناس ، ولا يمالئون المترفين على حساب دينهم ، ولا يخشون قوة كبرى ، ولا يظلمون قوة صغرى . فهذا الإمام علي عليه السلام حين أشار عليه قومه ببعض الحيل السياسية نهرهم قائلا :
من هدى القرآن — صفحة 272 | السيد محمد تقي المدرسي