ويفصل الكتاب ذات الحقائق من خلال حوار ساخن بين موسى عليه السلام ( الرسول ) وهارون عليه السلام ( وزيره ) والمؤمن ( الذي صدَّق بهما ) من جهة ، وبين فرعون ( الطاغية ) وهامان ( وزيره ) وقارون ( الذي اتبعهما ) من جهة أخرى ، وتحول الحوار إلى صراع ، وانتهى الصراع بمصرع آل فرعون ، وتدمير حضارتهم ، وعذابهم بالغدو والآصال في البرزخ ، وإقحامهم والتابعين في جهنم ، وساءت مصيراً . ( الآيات : 23 - 34 ) .
وتتجلى في السياق صورة مؤمن آل فرعون مثلًا رائعاً لشخصية المؤمن الصلبة ونفاذ بصيرته ، وقدرته الربانية على تحدي الطغيان المادي ، مما جعلت اسمه عنواناً لهذه السورة الكريمة .
ثانياً : وخلال الحوار والصراع والتحدي يذكرنا الكتاب مرة ثانية بقضية الجدال في آيات الله وكيف ينتهي بصاحبه أن يطبع الله على كل قلبه ، ويمسي كفرعون الذي بلغ به الغرور الأهوج حداً قال لوزيره هامان : ابنِ لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب ، ومضى في طريق الغواية حتى النهاية البائسة ، بينما دعا الصدِّيق إلى اتباع نهجه الذي هو نهج الرشاد ( الآيات : 35 - 38 ) ، وركزَّ على مسؤولية البشر عن أعماله ومواقفه ، ثم فوض أمره إلى الله بعد أن تحداهم بقوة ، وكانت العاقبة أن الله وقاه من سيئات ما مكروا ، بينما حاق بآل فرعون سوء العذاب ، ولم يفلت المستضعفون من العاقبة ذاتها التي كانت للمستكبرين ، لأنهم جميعاً جادلوا في آيات الله وعصوارسله ( الآيات : 39 - 50 ) . أما رسل الله والذين آمنوا فإن الله ينصرهم في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، إلا أن عليهم الصبر والاستغفار وأن يسبحوا بحمد الله بالعشي الابكار ( الآيات : 51 - 55 ) .
ثالثاً : وفي المرة الثالثة يحذِّرنا السياق من الجدال في آياته ، مبيِّناً - هذه المرة - الجذر النفسي لهذه اللعنة التي تصيب القلب ، وهي الكبر الذي لن يبلغه صاحبه . وبعد أن يأمرنا بالاستعاذة بالله العظيم يهدينا إلى عظمة خلق الله للسماوات والأرض ، ويوحي إلينا أن الكبر عمى والإيمان بصيرة ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، ثم يأمرنا بالدعاء لأنه شفاء من الكبر ( الآيات : 56 - 60 ) .
وحسب المنهج القرآني الفريد ، فإن الله يلقي على الأفئدة السليمة آياته ( الآيات : 61 - 62 ) ثم يحذِّرمن الجحود بها ، لأن من يجحد بها يؤفك عن الحق ( الآية : 63 ) . ويعود يذكرنا بآياته المبصرة ، وبأنه الحي الواحد ، ويأمر رسوله بتحدي آلهة الزيف ، ويذكرنا بأنه يحيي ويميت ( الآيات : 61 - 68 ) .
رابعاً : ينهى عن الجدال في آيات الله ( الآية : 69 ) وينذر الذين كذبوا بالكتاب بأنهم
من هدى القرآن — صفحة 203
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٠٣