ويزعم أنها تمنحه الحرية في التصرف حيث يشاء ، والتهرب من مسؤولية أعماله السيئة ، وقد قال مثل قول هؤلاء أنه حصل على الثروة بعلمه فهو قادر على دفع الضرر عن نفسه . قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فأوغلوا في المعاصي اغترارا بالنعم . فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ .
[ 51 ] لقد اعتمدوا على مكاسبهم المادية ، وزعموا أنها تحلل لهم السيئات ، أو لا أقل يقدرون على دفع العقاب عن أنفسهم ولكن هيهات . فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ولزمهم عقاب ما اجترحوا من الذنوب وتلك سنة الله تجري في من يأتي كما جرت في من مضى . وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا جزاء للسيئات التي اكتسبوها . وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي لا يعجزون الله إهلاكهم ، أو إحضارهم إلى جهنم .
[ 52 ] لقد زعموا أن علمهم كان سبب مكاسبهم ، فرد عليهم القرآن :
أولًا : ماذا تغني مكاسبكم عن العذاب .
ثانياً : بأن الرزق من عند الله .
ويبدو أن الرزق يختلف عن الكسب ، فالرزق هو ما يعطيه الله سواء بسعي أو بدون سعي ، والكسب هو الذي يحتاج إلى سعي ، فكل كسب رزق ، وليس كل رزق كسبا ، والنعم الأولية الفطرية هي رزق من الله مثل السمع ، والبصر والفؤاد ، والقوة ، والشباب . ولو لم يكن رزق الله هل كان يقدر الإنسان على الكسب ؟ لو لم يعطك الله السمع والبصر والفؤاد هل كنت قادرا على السعي وراء رزقك ؟ ولا تحصى نعم الله التي توفر للإنسان فرصة لكسب ومن دون واحدة منها لا يقدر عليه فهل بعد ذلك يصح الادعاء بأن علم الإنسان هو سبب غناه ؟ ! كلا . . أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أما غير المؤمنين فتراهم ينسبون الرزق لكل شيء سوى الله . فترى الواحد منهم يربط رزق الله بنفسه ، حتى يعتقد أنه هو الذي رزق نفسه ، أو يربط رزق الله بالنجوم ، فالنجوم هي التي رزقته ، ولكنه ليس مستعدا أن يقول : بأن الله هو الذي رزقني ، لأنه لو قال لكان عليه أن يؤدي حقوقه ويلتزم بالمسؤوليات .
من هدى القرآن — صفحة 178
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٨