تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
لأنهم يفتشون عن إله يخلصهم من رب السماوات والأرض ، ويخلصهم من ذنوبهم وسيئاتهم . وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ فإذا كانوا يتحدثون عن الآباء ، والقيم الفاسدة ، والشفعاء الموهومين ، فإنهم يرتاحون نفسيا . وتجد هذه الآية تطبيقها في كل إنسان ، خصوصا في العالم المتخلف ، حيث لا نحب نحن البشر الاستماع إلى من يحدثنا عن مسؤولياتنا ، أما إذا تحدثوا إلينا عن تبرير وضعنا الفاسد وإلقاء المسؤولية على الدول أو على الخطوط ، أو على القضاء والقدر ، فإننا نستمع مرتاحين ، والسبب هو أن مثل هذا الكلام لا يحملنا المسؤولية . [ 46 ] وفي مواجهة هذا الانحراف الكبير والضلال البعيد يتوكل المؤمن على الله ويدعوه ضارعا ليثبت فؤاده حتى لا يتأثر باشمئزازهم من ذكر الله ، وفي ذات الوقت يتحداهم بالمزيد من ذكر ربه . قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ حين ينشق شيء يقال انفطر ، والله شق العدم بالخلق فإذا بالسماوات والأرض تخرجان من ضميره . ومن معاني الانفطار أن السماوات والأرض لم تكونا فكانتا مرة واحدة ، فأبدعهما من غير مثال يحتذي به ، ومن معانيه أنهما كانتا رتقا ففتقهما بقدرته . أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ إن تعميق الإحساس برقابة الله في نفس الإنسان ، وأنه هو الحاكم بين عباده ، يجعله لا يعصيه ، لأنه لا يمكن له الكتمان عليه أو الكذب عليه يوم القيامة . وإذا كان هو الحاكم بين عباده فما هو دور الشركاء الذين يتخذ منهم الكافر شفعاء ، ويتشبث بهم هربا من المسؤولية ؟ ! علما بأن محكمة الله آنئذ تحكم بين الناس بالحق . فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فهنالك الكلمة الفصل ، التي لا ريب فيها ، ولا تلبيس ، ولا تحيط بها ضلالات الهوى ، وتبريرات الشهوات ، وكلما تفكر الإنسان في ذلك اليوم ، وفي ميزان الحق الذي ينصب فيه ، تباعد عن محورية ذاته ، وتحصن ضد قسوة القلب وانغلاقه دون فهم الحقائق . [ 47 ] فمن كفر بالله وظلم نفسه أو الناس هلك ولا تنفعه ثرواته شيئا . وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وفي آية أخرى يقول الله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوْ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [ آل عمران : 91 ] . بلى ، قد يبيع المرء نفسه بثمن بخس فيشتري جهنم بغيبة أو بكذبة ، وما أبخس هذا الثمن إذا كانت النار عاقبته ! وهكذا يهون علينا القرآن شأن الدنيا حتى لا تخدعنا زخارفها ولو كانت الأرض كلها بأيدينا فهي تعف عنها أنفس المؤمنين بالآخرة ، لأن عذابها لا يزول بافتداء كل الأرض ومثلها معها ، فما شأن بيت معمور فيها أو زوجة حسناء أو منصب بسيط ؟ ! .