وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ لأن كتابهم آنذاك لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها مما لم يكونوا يتوقعونه ولم يحتسبوا أن الأمر بهذه الدقة وبهذه الجدية ، وفي الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام قال :
( اتَّقُوا المُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّ لَهَا طَالِباً يَقُولُ أَحَدُكُمْ أُذْنِبُ وأَسْتَغْفِرُ إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ :
وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ
وقَالَ عَزَّ وجَلَّ :
إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) « 1 » . ويبدو من خلال الآية أن الإنسان قد يتصور أن مجرد ذنوبه البسيطة قد لا تسبب له دخول النار ، ولكن الحقيقة شيء آخر ، إذ تجتمع الذنوب إلى بعضها حتى تكون كالجبل على قلبه . وفي الحديث عن الإمام أبى الحسن عليه السلام :
( لَا تَسْتَكْثِرُوا كَثِيرَ الخَيْرِ ولَا تَسْتَقِلُّوا قَلِيلَ الذُّنُوبِ فَإِنَّ قَلِيلَ الذُّنُوبِ يَجْتَمِعُ حَتَّى يَكُونَ كَثِيراً وخَافُوا اللهَ فِي السِّرِّ حَتَّى تُعْطُوا مِنْ أَنْفُسِكُمُ النَّصَفَ )
« 2 » .
[ 48 ] وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا فالسيئات التي مكروها في الحياة الدنيا بدت لهم على حقيقتها . إذ إن النفس الأمارة والشياطين من الجن والإنس كل أولئك يزينون للبشر سيئات أعماله ، حتى تختفي ظاهر سوءاتها وتبدو لهم أنها حسنات ، وذلك بإظهار حسناتها ، بيد أنها في القيامة حيث تبلو السرائر تظهر سيئات أعمالهم التي اكتسبوها .
وقد تشير الآية إلى تجسد الأعمال ، حيث تصبح السيئات عقارب وحيات ونيران ملتهبة ، والدليل على ذلك قوله تعالى : وَحَاقَ بِهِمْ أي أحاط بهم . مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون فالرسالة ذاتها التي استهزؤوا بها أهلكتهم ، فالقرآن في يوم البعث يقود من اتبعه هنا إلى الجنة هناك ، ويسوق من تولى عنه هنا إلى النار هناك . وهكذا كل رسالات الله .
[ 49 ] ويمضي السياق قُدُماً في بيان أن الثروة ليست قيمة مطلقة لأنها ليس فقط لا تغني شيئا عن عذاب الله في الآخرة ، بل ولا عن بلائه في الدنيا حينما تحيط بالإنسان الضراء فتراه يدعو ربه ، ولكنه لا يلبث أن ينسب النعم إلى ذاته ، ويزعم بأنه إنما حصل عليها بعلمه . كلا إنها من عند الله ولكنها ليست دليلا على كرامته عنده ، بل هي مجرد فتنة يمتحن الله بها خلقه .
فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ وهذه الآية تكمل الآية الثامنة من هذه السورة ، حيث إن الإنسان هناك نسب النجاة إلى الأنداد بينما هنا نسبها إلى نفسه ، والفرق واضح ، ففي المرة الأولى ألهَّ غيره ، وفي الأخرى أله نفسه ، واعتقد أن ما خوَّله الله به من نعمة إنما هو من ذاته . ولان السياق هناك كان في مقام نفي الأنداد فقد
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 270 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 70 ، ص 346 .