تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
والغنى والشهرة أن ميزته في الدنيا تستمر إلى الآخرة . بل إنه يأتي ربه يومئذ فردا فقيرا مغمورا ، ولا يزعم الواحد منهم كما زعم صاحب الجنتين إذ قال لصاحبه وهو يحاوره : مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [ الكهف : 35 - 36 ] . الثاني : أنهم الذين يزعم البشر أن باستطاعته التهرب من المسؤولية بسببهم ، وذلك بإلقاء مسؤولية ضلاله وانحرافه عليهم ، كأن يلقي بمسؤولية انحرافه وضلاله على والديه ، أو السلطات الحاكمة ، أو المجتمع . ولكن الله ينسف فكرة الشفاعة عموما فيقول : قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً كالنفع والضر أو الموت والحياة ، أو أقل من ذلك . لأن الملك كله لله عز وجل . وَلا يَعْقِلُونَ لأنهم لو كانوا يعقلون لم يكونوا ليأمروا بما يخالف رضى الله تعالى . فهم إذن لا قوة لهم ولا علم . ومن يكون هكذا لا يكون شفيعا . [ 44 ] إن الشفيع الحقيقي هو الله الذي بيده ناصية كل شيء ، وإذا كان ثمة آخرون فإنما يشفعون بإذنه . قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً فإذا أراد البشر أن يفر من عذاب الله ، فليهرب إليه تعالى ، فليس من ملجأ منه إلا إليه كما قال ربنا : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ وكلنا يخشى من ذنوبه ولكن لن نجد غافرا للسيئات التي احتطبناها سوى الله . ومن عادة البشر أنه إذا أذنب ذنبا حاول تبريره ، أو اخترع لنفسه شفيعا يزعم أنه سوف يخلصه من ذنبه ، والله يقول : لا ، لماذا تذهب هنا وهناك ؟ ! تعال إليَّ ، حتى ولو كنت مذنبا تعال ، فأنا الذي أخلصك من الذنب ، لا أولئك الشفعاء ، ولا تلك التبريرات . لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فالله هو الشفيع حقا ، لأنه هو السلطان في السماوات والأرض ، فهو الذي يدبر الأمور اليوم وإليه المصير حيث السحاب الدقيق والجزاء الأوفى . [ 45 ] وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة ، ويحاولون التهرب من المسؤوليات ، ويعرفون أنه إذا كانت الآخرة أمرا واقعيا فإنهم سوف يحملون عبء الأمانة ، لكل ذلك تراهم يشمئزون فحربهم لفكرة الآخرة إنما هي بدافع نفسي ، فهم لا يحبون القيامة لأنهم لا يحبون المسؤولية ، والمثال على ذلك : إذا قيل لمجرم : جاء الشرطة يشمئز قلبه ، لماذا ؟ لأن الشرطة سيأخذونه إلى المحكمة ، ومن ثم الجزاء العادل ، وأما الرجل المظلوم ، الذي يسمع وهو بين يدي من يظلمه ، أن جاء الشرطة تراه يحمد ربه ، لماذا ؟ لأنه سوف يتخلص من يد الظالم . . وهكذا المؤمنون يشتاقون إلى الآخرة ، لأنهم يعرفون أن هناك الجزاء الأوفى لحسناتهم ، بينما الكافرون تشمئز قلوبهم ، إذا ذكر الله وحده ،
من هدى القرآن — صفحة 174 | السيد محمد تقي المدرسي