تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
في حدود نفسه وشهواتها لا يستطيع أن يعطي ، وإنما يعطي من يفكر في حاجات الآخرين قبل حاجات نفسه ، فالإحسان إذن أرفع مراحل التكامل البشري ، فقد يكون الإنسان متقيا ولكن لا يعطي إلا بحساب ، والمحسن موقن بالخلف فيستسهل البذل . والظاهر أن الإيمان والتقوى يكتمل بالإحسان ، وهو أعلى المراحل في المسيرة الإيمانية . [ 35 ] ويبقى المتقون خائفين من سيئاتهم التي إن بقيت أكلت جانبا من حسناتهم ، ولكن الله يطمئنهم حين يَعدِهُم بغفرانها : لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا إذا كان الخط العام للإنسان في الحياة سليما فإن هفواته تغتفر له ، كما لو كانت استراتيجية القائد سليمة فإن أخطاءه التكتيكية لا تؤثر عليه كثيراً ، بعكس ما إذا كانت استراتيجيته خاطئة فإن صواب خططه المرحلية لا ينفعه شيئا . وهكذا إذا كان الخط العام لحياة شخص سليما ، فتولى الله ورسوله وأولي الأمر حقا ، ونهض بواجباته في التحصن ضد الانحرافات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، فلم ينصر ظالما ، ولا خذل مظلوما ، ولا أكل أموال الناس بالباطل ، ولا أدلى بها إلى الحكام ، وبالتالي اجتنب فواحش الذنوب ، ثم ارتكب اللمم وهي الصغائر ، أو حتى الكبائر بلا جحود ولا إصرار ، ثم تاب إلى ربه متابا فإنه ترجى له مغفرة الله . أما من كان خطه العام منحرفا فكان وليا لأعداء الله ، معينا للظلمة على عباد الله ، فإن كثرة صلاته وصومه لا تنفعه ، كذلك لو عاش على الحرام حتى نبت لحمه وعظمه منه . ولعل المعيار الأساس في ذلك ألا تكون السيئة الصادرة من منطلق سئ ، إذ قد يرتكب المرء ذنبا ولكن قلبه لا يزال مطمئنا بالإيمان فيمكن تدارك الأمر ، ولكن الذي يرتكب الموبقات وهو جاحد بربوبية الرب ، مستحل للمحرمات ، فإن توبته إلى الله بعيدة . وتشجيعا لحالة الإحسان في الأمة ألغى الإسلام الضمان عن المحسنين الذين يقعون في الخطأ ، فقال سبحانه : مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [ التوبة : 91 ] . ومضت هذه الآية قاعدة فقهية استنبط العلماء منها أحكاما كثيرة حيث أسقطوا بها الضمان من الذين يريدون الإحسان ولكنهم يخطئون فيلحقون ضررا بالطرف الآخر ، كمن أراد إنقاذ غريق فتسبب جهله بطريقة الإنقاذ إلى المساهمة في غرقه . وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ . [ 36 ] ومن العقبات التي تعترض طريق المؤمنين المحسنين خشية الناس ، والخوف من مقاطعتهم وهجرهم ، ولكن الله وعدهم بكفايتهم شر الناس ، والله سبحانه هو الذي يحفظ السماوات والأرض أن تزولا ، فكيف لا يحفظ عبده ؟ ! أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ بلى ؛ إن الله يكفي عبده شر جور السلاطين ، وكيد الحاسدين ، وبغي الظالمين . وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بإثارة الرعب في قلبك ممن هو من دونه سبحانه ، أن يضلوك عن سبيله . وَمَنْ