تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
على الله . وكثير من الناس يمارسون الكذب على الله وهم لا يشعرون ، وذلك حين يقولون : هذا حلال وهذا حرام ، دون سلطان من الله أتاهم . وجرم الكاذب على الله عظيم ، ولا يعادله إلا تكذيب الصدق الذي يجيء من عند الله ، إذ الإنسان مسؤول عن معرفة الصدق والتصديق به ، ولا يجوز أن ينطوي على نفسه ويقول : من أين نعرف صدق هذا الداعية ؟ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ وجزاء هذا وذاك الإقامة في جهنم ، لأنهما معا كافران . أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ويترك السياق الجواب عليهم لكي تقر ألسنتهم به . [ 33 ] وفي مقابل هؤلاء يقف الصادقون فحين يخرجون عن ذواتهم يرون الحق بوضوح ، لأن مشكلة الذي لا يرى الحق انغلاق نفسه ، فهل تدخل الشمس غرفة مغلقة مسدلة الستائر ؟ ! كلا . . فعلى الإنسان أن يفتح صدره ، ويزيل الستائر والحجب من ذاته ، لكي يدخل نور الله أرجاء قلبه . وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ جَاءَ بِالصِّدْقِ أي دعا إليه كالرسول ، وَصَدَّقَ بِهِ أي التزم بما آمن ، فلا يكفي الإيمان بصدق شيء من دون العمل بمضمون هذا الإيمان ، والصديق هو الذي يؤمن في الأوقات الحرجة ، حيث لا تسمح له السلطات ولا يؤيده الناس . وجاء في تفسير مجمع البيان : ( قيل الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وآله وصدَّق به علي بن أبي طالب عليه السلام . . وهو المروي عن أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام ) « 1 » . والصديق يتقي بصدقه عذاب الله : أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ القرآن عادة ما يربط بين الفكر والعمل برباط التقوى ، والتقوى حقيقة تدور حولها كل الحقائق ، وهذا ما تشير إليه الآية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [ المائدة : 27 ] . [ 34 ] وفي الجنة : لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ لأنهم تركوا ما يشاؤونه في الدنيا ، فأهواؤهم كانت تدعوهم للخضوع إلى الطاغوت ، والميل للمجتمع الفاسد ، والانسياق وراء شهوة البطن والفرج . . وهكذا أعطاهم الله ما يشاؤون ، أو لأنهم أعطوا للمحتاج ما يشاء أعطاهم الله ما يشاءون . وكلمة مَا تعني الإطلاق ، فهم لا يتمنون على الله شيئا إلا أعطاهم . وقيل : إن ما عند ربهم يشاؤونه ، فقد أعد الله لهم نعيما في الجنة يشاؤونه ، ولا تعارض في المعنيين . ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ بعد مرحلة التقوى يأتي الإحسان ، والإحسان هو العطاء ، ونتساءل : هل يمكن أن يعطي الإنسان شيئا دون أن يخرج من قوقعة ذاته ؟ كلا . . فالذي يعيش
هامش
( 1 ) تفسير مجمع البيان : ج 8 ص 642 .