دفائن العقل ، من ذلك ما نجده في هذا الدرس حيث يهدينا إلى حقيقة يحاول ابن آدم إنكارها تكبرا وعلوا حتى أضحت تشبه في إنكار الناس لها الباطل ، وتلك هي الموت الذي ينتظر كل حي ، ولكن الموت هو أهون المراحل التي تنتظرنا ، فما بعده أعظم ، كالاختصام يوم القيامة ، ذلك لأن الإنسان لا يستطيع في ذلك اليوم حين يقف وحيدا أمام محكمة الحق أن يتهرب من الحقائق ، فلا بد إذا أن نهتم بالمعايير الأخروية اليوم وقبل ذلك اليوم . وفي بداية سورة آل عمران قلنا : إن الإيمان بالبعث يمثل حجر الزاوية في فكر الإنسان المسلم ، حيث يحافظ على توازنه ، ويدعوه إلى الإيمان بحقائق خارج محيط ذاته وإنها هي المحور ، وإذا آمن الإنسان بوجود محور في الحياة بحث عنه ، وإذا بحث عنه وجده .
وهذا الدرس امتداد للدرس الماضي ، حيث ذكرنا هنالك أن القلب الخاشع لله يهديه الله للإسلام ، فيعترف بوجود الحق ، بعكس القلب القاسي المنغلق على ذاته ، الذي لا يعترف إلا بما يعيش داخله ، فهو يتمحور حول ذاته .
وفي هذا الدرس يعرض القرآن مفارقة بين من جاء بالصدق وصدَّق به ، ومن يكذب على الله ويكذِّب بالحق ويدَّعي الأنداد لله ، وبعد ذلك يعلن الله كفايته لرسوله رغم تخويف المشركين له بالذين من دونه ، وأنهم لن يستطيعوا إضلال من هداه الله ، ولا يستطيع الذين من دونه كشف الضر عنا أو منع الخير .
بينات من الآيات :
[ 30 ] من أبرز وأخطر مصيبات البشر انغلاق قلبه عن حقائق الخليقة ، وإيمانه بمقاييس ذاتية ، يقيم بها الأحداث والأشخاص من حوله ، فكيف يتخلص الإنسان من هذه المصيبة التي تعمُّ سائر أبناء آدم ، وتعبير آخر كيف يتقي الإنسان شح ذاته ، ويخرج من زنزانة نفسه الضيقة إلى رحاب الحق ؟
لا ريب أن وعي الموت والنشور ثم الوقوف أمام محكمة الحق أقرب السبل للخلاص من هذه البلية ، ذلك أن اعتقاد الإنسان بوجود مقاييس موضوعية ثابتة عند الله ، وأنه سوف يعرض عليها بأفكاره وأقواله وأعماله ، وسوف يحاكم وفق تلك المقاييس شاء أم أبى ، كل ذلك يعيده إلى رشده ، وينمي عقله على حساب هواه ، ويجعله يبحث عن تلك المقاييس اليوم وقبل فوات الأوان .
هكذا يدعونا الإيمان بالبعث إلى الإيمان بكل الحقائق ، وهو كما أسلفنا حجر الزاوية
من هدى القرآن — صفحة 165
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٥