في بناء صرح المعرفة عند الإنسان ، وقبل الإيمان بالبعث لا بد من وعي الموت . إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ فإذا مات الرسول صلى الله عليه وآله رغم عظمته وجلال مقامه فهل يبقى أحد منا ؟ ! قال تعالى : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ [ الأنبياء : 34 ] . ويبدو لي أن الخطاب ليس خاصا برسول الله صلى الله عليه وآله فكل من يقرأ القرآن معني بهذا الخطاب ، لأن القرآن نزل على لغة :
( إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ )
. هكذا تبعث هذه الآية في أنفسنا يقظة ، وفي أعصابنا رعشة ، وفي عقولنا إثارة ، وفي أفئدتنا سكينة ، فأي هيبة عظيمة للموت ، هذا الباب الذي لا يعود منه من دخله ، ولا ينجو منه من هرب منه ، وأين يذهب أعزَّتنا الذين نحملهم كل يوم إلى المقابر مرغومين ، ونقف عند أجداثهم مرهوبين ، ويهمس في آذاننا داعية الحق آنئذ قائلا بشعر منسوب إلى الإمام علي عليه السلام « 1 » :
وإذا حملت إلى القبور جنازة * فاعلم بأنك بعدها محمول
ويقول الإمام علي عليه السلام :
( لَوْ رَأَى العَبدُ أَجَلهُ وَسُرعَتَهُ إِلَيْهِ أَبْغَضَ الأَمَلَ وَتَرَكَ طَلَبَ الدُّنيَا )
« 2 » .
[ 31 ] وهل تنتهي المشكلة عند الموت ؟ كلا . . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فخلافاتكم في الدنيا تنتقل إلى الآخرة ، وربنا سبحانه هو الحكم يومئذ ، والموازين والقوانين يومئذ غيرها في الدنيا ، وعلينا أن نبحث عنها وأن نطبق حياتنا وفقها إن أردنا الحياة .
[ 32 ] ومحور المعايير هنالك الصدق ، وأظلم الناس لنفسه من كَذَبَ على الله وكذَّب بالصدق ، ولكن كيف يكذب على الله ؟ يزعم الإنسان حينما يقسو قلبه ، وينغلق عن الحقائق ، بأن ذاته هي الحق ، ويكون مثله مثل ذلك لما سئل : أين مركز الدنيا ؟ فقال : حيث يقف حماره ، لقد كان يزعم هو والكثير من أمثاله بأنهم مركز الحياة ، فالعالم يبدأ من حيث هم ، وليس من حيث هي ، ويتصورون أن الحق ما يرونه ، والباطل ما يرفضونه ، وهذا هو الكذب على الله ، وحين يعرفون دين الله تراهم تبعا لهذه الحالة النفسية يحقوُّن الباطل ويبطلون الحق ، وهكذا يكذبون على الله افتراءا عليه . فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وبيان الرسول لهذه الحقيقة شاهد على صدقه ، إذ من يَكذِبُ على الله يهون على نفسه هذا الذنب ثم يرتكبه ، بينما نرى الرسول بالعكس تماما يبيِّن مدى جريمة الكذب
هامش
( 1 ) ديوان الإمام علي عليه السلام : ص 318 . الصادر عن دار نداء الإسلام للنشر - قم ، 1411 ه .
( 2 ) عيون الأخبار : ج 2 ص 39 .