تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
يفصح القرآن عن الحقائق بصورة مباشرة . قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وهذا هدف القرآن ، أنه يريد منا أن نتقي الله ونخافه ، ونعمل بمضمون التقوى من إصلاح دنيانا وأخرانا . [ 29 ] ومن أمثلة القرآن التي تقرب إلى أذهاننا قبح الشركاء اشتراك مجموعة في امتلاك شخص . ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ هل يستوي عبد يملكه أكثر من مالك وعبد يملكه رجل واحد ؟ ! كلا . . لأن في الأول كل مالك يريد أن يُجيَّره لحسابه على حساب الآخرين ، وقد بين الباري ذلك في قوله : وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ ص : 24 ] . وقال تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [ الأنبياء : 22 ] . وقال تعالى عن استحالة الأشباه والأعضاد : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [ المؤمنون : 91 ] . وهناك مثال من واقعنا : حيث تعيش بعض الدول المستضعفة في إطار ولاءات مختلفة فتتصارع عليها قوى الشرق والغرب ، وقد يجري الصراع على أراضيها وبأيديها ، ويكون بالتالي الغرم لها والمكاسب للأسياد . وليست الآلهة التي تعبد من دون الله سوى رموز للقوى السياسية والاجتماعية التي تتصارع على استعباد البشر فتجر إليه الويلات ، وما يخلصنا سوى التحرر من عبادتها والتمرد على سلطانها للنجاة من مشاكساتها وحروبها التي تطحننا اليوم طحنا . وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا كلا . . إن الرجل الذي يقوده شخص واحد باسم الله ولا تتداخل فيه شهوات الآخرين ولا ضغوطهم ولا مصالحهم يعيش دائما في حرية مستقيما في طريق واحد ، وتعصف به الاختلافات ، ولا تتحكم فيه الفوضى ، ولا يواجه مشكلة تعدد الولاءات ، إنه لا يخاف الصراعات ولا تنافس القوى عليه ، إنه يعيش بعيدا عن أهواء الشياطين وأطماع الحكام . جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : ( أَنَا السَّلَمُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وآله يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَل : وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ ) « 1 » . الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ فلا يفرقون بين الذي يوحد الله ويخضع فقط لأوليائه ومن تستعبده قوى السلطة والثروة . وهكذا ضرب الله لنا مثلا للتوحيد من واقع الحياة الاجتماعية والسياسية ، وميَّز بين نمطين من الحياة ، حياة الاستقلال وحياة العبودية ، وذلك تكميلا لبيان المفارقات في سورة الزمر .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 24 ص 163 .