تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
وجدت البتة في نفسي منها أثرا ، وأظن أن المنهج القويم والصراط المستقيم هو هذا ، ثم ذكر وجوها في بيان ذلك تتلخص فيما يلي : أولًا : إن تلك الأشعار لا تليق بمقام الخالق ، وإن إثباتها في حقه كفر . ثانياً : إن قائل القرآن هو الله عبر جبرائيل إلى الرسول إلينا ، بينما قائل تلك الأشعار شاعر كذاب مملوء من الشهوة وداعية الفجور . ثالثاً : إن مدار القرآن الدعوة إلى الحق ، ومدار الأشعار الباطل « 1 » . وأقول : إن تلك الأشعار تثير شهوات البعض ، وتدغدغ عواطف الهوى المكبوتة لديهم ، بينما تستثير آيات الذكر دفائن العقول ، وتجلي القلوب من رين الشهوات ، وكل إناء بالذي فيه ينضح . ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وإن أولئك الذين يبحثون عن سبل الزلفى إلى الله عبر الأشعار الجاهلية والطرق غير الشرعية لا يهديهم الله إليه ، بل يضلهم لأنهم لم يتبعوا الوسيلة التي بينها لعباده . وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ فمن شاء أن يهتدي إلى ربه سبيلا فعليه أن يتوسل به إليه ، وبأوليائه الذين جعلهم وسائل رحمته ، وألا يخترع لنفسه مذهبا فيضله الله ، وأن يعلم أن الله يدل على ذاته بذاته ، ولا شيء أظهر دلالة منه ولا شفيع إلا من بعد إذنه ، وهكذا يخلص النية لربه ، وحاشا لله أن يخيب ظن عبده به . [ 24 ] ويعود القرآن إلى مفارقته بين من يتقي به في الدنيا فينجيه الله من عذاب النار ، وبين من لا يتقي ولا يجد هناك شيئا يحتجز به عن النار ، فتراه يضطر إلى اتقاء النار بوجهه . أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي عذاب هائل ذلك العذاب ، حين تتميز جهنم غيضاً ، وتتفجر فيها النيران تفجرا ، ويأتي المجرمون لا يملكون من الثواب ما يقيهم النار ، فتتعرض وجوههم لها ، تلك الوجوه التي اعتزوا بها وبإثمها في الدنيا ، وصانوها بأيديهم وبما يملكون . وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ إن الفواحش التي يرتكبها الظالمون في الدنيا تتجسد في صورة نيران ملتهبة وعقارب وحيات . أرأيت الذي يصنع القنبلة النووية بيده ثم يفجر نفسه والبلاد كيف أنه حين يصنعها لا يتصور بسهولة هول عذابها ، كذلك المجرمون حين يزنون أو يغتابون أو يأكلون أموالهم بينهم بالباطل أو يؤيدون الطاغوت لا يتصورون أي
هامش
( 1 ) راجع التفسير الكبير : ج 26 ص 273 والعبارة أوسع .