عاقبة المتقين ضربت لها أمثلة من جزائهم عند الله وانتصارهم في الدنيا ، وإذا ذكرت من صفات المتقين واحدة ثنيَّت بشواهدها من حياة النبيين عليهم السلام ، وإذا ذكرت حقيقة من حقائق التوحيد توالت شواهدها . فمثلا حين ذكر السياق شرح الصدر بالإسلام بيَّن مثله في خشوع قلب المؤمنين لآيات الذكر . وهكذا أشارت الآيات التالية إلى أن القرآن ضرب للناس من كل شيء مثلا ، فيكون المثل تثنية كل حقيقة مذكورة في القرآن .
هذه بعض معاني المثاني . ولأنه مثاني تشفع الحجة بالحقيقة فإن قلوب المؤمنين تصعق له ، وتسري في أعصابهم رعشة الخشية ، فتهتز تبعا - لذلك - جلودهم . تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ عندما تواجه النفس حقيقة أكبر من سعتها تندهش بها وتحصل لصاحبها قشعريرة ، إما لاهتزاز الأعصاب أو لتجمع الدم حول القلب كما يحصل في حالات الخوف الشديد . ولأن هذا الفريق يخشون ربهم ، ويعرفون شيئا من عظمته وكبريائه ، ويعلمون أن الكتاب رسالة الله إليهم ، فلا تكاد قلوبهم تستقر لتجلياته الظاهرة في كتابه ، ولولا أن الله يؤيدهم في تلك اللحظة بروحه لتصدعت قلوبهم كما اندك الجبل عندما تجلى الرب له أمام موسى فخر موسى عليه السلام صعقا ، أرأيت تجلي الله للجبل كان أعظم من تجلياته في كتابه للرسول والمؤمنين . إنما المؤمنون توجل قلوبهم بمجرد ذكر الله ، فكيف لا تصعق عندما تتلى عليهم رسالة الله إليهم ، إنه الله يتحدث إليهم فكيف يصمدون ، بلى ؛ أنا وأمثالي الذين أحاطت الشهوات بقلوبنا لا نعرف ذلك ، إلا إذا رفع الله الحجب واتصل القلب بنور الرب . ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ إذا ذهبت آثار الصدمة ، وتغلب العقل بتأييد الله على هول المواجهة ، لانت الجلود تعبيرا عن خشوع القلب ، واستعدادا لاستقبال ضياء الهدى .
وقال المفسرون : إن قشعريرة الجلد تعبير عن خشيتهم من عذاب الله ، أما حين يلين فإنه دليل على طمعهم في رحمة الله ، وهكذا يعيش قلب المؤمن بين الخوف والرجاء . وقال الفخر الرازي : إن المقامين المذكورين في الآية : تَقْشَعِرُّ - تَلِينُ لا يجب قصرهما على سماع آية العذاب والرحمة ، بل ذاك أول المراتب ، وبعده مراتب لا حد لها ولا حصر في حصول تلك الحالتين . ثم تناول هذا المفسر الكبير الفرق بين حالة المؤمنين عند تلاوة الكتاب ، وحالة الوجد الصوفية عند سماع أشعار الهجران والوصل ، وقال : إن الشيخ أبا حامد الغزالي أورد مسألة في كتاب ( إحياء علوم الدين ) وهي أنا نرى كثيرا من الناس يظهر عليه الوجد الشديد التام عند سماع الأبيات المشتملة على شرح الوصل والهجر ، وعند سماع الآيات لا يظهر عليه شيء من هذه الأحوال ، ثم إنه سلم هذا المعنى وذكر العذر فيه من وجوه كثيرة ، وأنا أقول ( أي الرازي ) : إني خلقت محروما عن هذا المعنى ، فإني كلما تأملت في أسرار القرآن اقشعر جلدي ، ووقف علي شعري ، وحصلت في قلبي دهشة وروعة ، وكلما سمعت تلك الأشعار غلب الهزل علي ، وما
من هدى القرآن — صفحة 160
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٠