تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
بيت ويزعم بألا أحد يمكث فيه معه ، فيفعل فيه ما يشاء ، ويتحلل من كل التزام ، وأما الحالة الأخرى فهي الخروج من زنزانة الذات إلى رحاب الحقيقة ، حيث يعيش في عالم واقعي يعترف بوجوده ، ويسعى للتعرف إليه والتكيف معه . إن مثل صاحبها كمن يدخل بلدا ويعلم أن فيه أناسا لا بد أن يعايشهم ، وأن لهم قوانين لا بد من الالتزام بها ، وهكذا لا يضيق ذرعا إذا تعرف إليهم وعرف حقوقهم ، بل إنه يستقبلهم بترحاب ، ويخضع لنظامهم بلا تردد . وإذا كانت الحالة الأولى تعكس الجمود والتخلف والجهل والفوضى ، فإن الحالة الأخرى هي ذروة النشاط والرقي والعلم والالتزام . فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ الله الذي وسعت كل شيء آيات رحمته وقدرته وعظمته ، مع ذلك ترى قلوبهم قاسية من ذكره ، فكيف سائر حقائق الخلق ؟ أرأيت من عمي عن ضوء الشمس هل يرى شمعة ؟ ! كذلك حين قسا القلب عن ذكر الله فلا يرجى أن ينشرح لمعرفة شيء . أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يحيط بهم الضلال المبين كما يحيط بأولئك نور الله . [ 23 ] من أبرز معالم شرح الصدر استقبال نور الله في القرآن ، فلقد أنزل الله أحسن الحديث ، اختصر الجمال والروعة والبلاغة والعلم والهدى والنور ، وتجلى فيه الرب حتى رأت فيه قلوب المؤمنين جمال ربهم كما رأت أعينهم جمال صنعه . اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ إنه مرآة تعكس روعة الخلق وجمال الخالق وأحسن الخلق وأنبل الأعمال . . كِتَاباً منتظما في وحدة متماسكة ، مجموعا إلى بعضه بتماسك لا ثغرة فيه ولا فطور ، ولا تناقض ولا اختلاف : مُتَشَابِهاً بعضه يشهد على بعضه ويفسره ويبينه ، وفي الوقت ذاته لا يرقى إلى كنه فهمه عقل ، ولا ينفذ في غور علمه أحد ، وكلما تلوت آياته استفدت علما جديدا وهدى طارفا ، وما أوتيت من علم فهو بالنسبة إليك محكم ، ولكن يبقى ما لم تؤت من علم كالمحيط الواسع لا تتناهى عجائبه ولا تنقضي غرائبه . مَثَانِيَ فنجد فيه : أولًا : مفارقات بين الخالق والمخلوق ، بين الحق والباطل ، بين المحسن والمسيء ، كما يذكرنا بالمفارقات الظاهرة بين النور والظلام ، بين الظل والحرور ، وبين الحرية والعبودية ، و . و . ولعل سورة الزمر قد بلغت الذروة في هذا التميز ، بالذات بين الناس حيث تجلت فيها صفة ( الفرقان ) في معرفة الصالحين وتزيلهم عمن سواهم . ثانياً : مقارنات بين أزواج الطبيعة ، بين الذكر والأنثى ، بين السماء والأرض ، البر والبحر ، الإنسان والحيوان ، الزيتون والأعناب ، الفاكهة والأب وهكذا . ثالثاً : شواهد وأمثلة ، فما من حقيقة يذكر بها كتاب ربنا إلا وتتثنى بتفسيرها ودليلها ومثالها ، فما تتلو فيه من آية حتى تجد في السياق عادة أو في موقع آخر تبيانا لها ، فإذا ذكرت