وهنا نجد السياق في ذات الوقت الذي يتابع الحديث عن فوارق النمطين من الناس : فهناك من شرح الله صدره للإسلام ، وهناك من قسا قلبه من ذكر الله ، ويتقي بوجهه سوء العذاب ، ويكذب بالله ليلقى جزاءه خزيا في الدنيا ، في الوقت ذاته يبين خصائص القرآن وكيف تتلقاه النفوس الطيبة ، وكيف يضرب الله فيه من كل مثل للناس لعلهم يتذكرون .
بينات من الآيات :
[ 22 ] ما هي المعرفة ، وكيف يتخلص البشر من رواسب الجهل ، ولماذا نجد البعض يرتفعون إلى أعلى درجات الإيمان بينما يهبط الآخرون إلى الحضيض في الكفر ؟ .
للقرآن بصيرة واضحة في المعرفة تتلخص في أن محل العلم القلب ، فإذا كان منشرحا ازداد معرفة وإيمانا ، بينما القلب القاسي لا يتسع للمعرفة . أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ
ما هو الصدر المنشرح بالإسلام ؟ .
الإسلام هو التسليم لله لسنن الله لشرائع الله وللحق أنى كان ، فإذا شرح الله الصدر خشع له ولان لكلمات الله ووسعها كما تخشع الأرض الطيبة لماء السماء ، كما تلين التربة الصالحة لنبتة مباركة ، كما تستقبل الزهور النسيم العليل ، بينما القلب القاسي كالصخرة الصماء لا يتسع لمعارف الحق ، ولا يهتز لوابل السماء ، ولا ينبت زهرة ، ولا يستقبل نسمة . هكذا أوصى نبينا الأكرم ابن مسعود فقال صلى الله عليه وآله له :
( يَا ابْنَ مَسْعُودٍ
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
فَإِنَّ النُّورَ إِذَا وَقَعَ فِي القَلْبِ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ .
فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ ؟ قَالَ صلى الله عليه وآله :
نَعَمْ ، التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ وَالإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الخُلُودِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الفَوْتِ ، فَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا قَصُرَ أَمَلُهُ فِيهَا وَتَرَكَهَا لِأَهْلِهَا )
« 1 » .
فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فبالنور الرباني يتصل صدر الإنسان بعالم الحقائق ، فيتسع لها ، وينشرح بها ، ونور الله هو العقل المستضيء بالوحي ، ولعل التعبير ب عَلَى للإيحاء بأن المؤمن ماض على صراط مستنير ، كقوله سبحانه : أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] . ويمكن أن نستوحي من الآية أن للقلب حالتين : فهو ينغلق على ذاته فلا يرى إلا نفسه فيعيش فقط ضمن مصالحها وتمنياتها وأوهامها ، ويريد العالم المحيط لذاته ، فيكون قاسيا ومع الهوى متقلبا ، وبالرين والطبع متلبسا ، لا يعترف بقانون ، ولا يؤمن بسنَّة ، ويكون مثله من يعيش في
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 74 ص 93 .