مخلوقات فلا حاجة له إلى واحد منها لأنه كان قبل أن يكون أي شيء فكيف يحتاج إلى شيء لم يكن من الأزل ، بل كيف يحتاج إلى شيء هو في وجوده يحتاج إلى خالقه سبحانه ؟ ! .
ثالثاً : أنه لا يتم - لو تم إنجاز الولد - بسبب علاقة نسبية ( نشوية ) بين الله سبحانه وبين بعض خلقه ، إذ كل شيء مخلوق لله ، ولا تفاضل في أصل الخلق بين شيء وشئ ، فليس بعض الخلق مارس الله حين أنشأه لغوبا ، بينما خلق بعض الأشياء بيسر وسهولة ، كلا . . ولا هناك مراتب في الخلق كما زعمت الفلاسفة بلا حجة ، إنما يكون عبر الاصطفاء . وإنما استوحينا هذه البصائر بالترتيب من الكلمات الثلاث في الآية : يَتَّخِذَ ، ولاصْطَفَى ، ومِمَّا يَخْلُقُ .
سُبْحَانَهُ عن نسبة الشريك إليه أو عن اتخاذ الولد حتى من بين خلقه اصطفاء . هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ فلا يتجزأ بالإفاضة ولا بالتنزل ولا بالحلول ، ولا يتجلى في الشمس والقمر والنجوم والسهل والجبل والشجر والبحر والأحياء . . كما ادَّعاه الضالون من أنصار وحدة الوجود .
عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( إِنَّ أَعْرَابِيّاً قَامَ يَوْمَ الجَمَلِ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَ تَقُولُ إِنَّ الله وَاحِدٌ ؟ . قَالَ : فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقَالُوا يَا أَعْرَابِيُّ أَمَا تَرَى مَا فِيهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مِنْ تَقَسُّمِ القَلْبِ ! . فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام :
دَعُوهُ فَإِنَّ الَّذِي يُرِيدُهُ الأَعْرَابِيُّ هُوَ الَّذِي نُرِيدُهُ مِنَ القَوْمِ .
ثُمَّ قَالَ عليه السلام :
يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّ القَوْلَ فِي أَنَّ الله وَاحِدٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : فَوَجْهَانِ مِنْهَا : لَا يَجُوزُ عَلى الله عَزَّ وَجَلَّ . وَوَجْهَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ .
فَأَمَّا اللَّذَانِ لَا يَجُوزَانِ عَلَيْهِ فَقَوْلُ القَائِلِ وَاحِدٌ يَقْصِدُ بِهِ بَابَ الأَعْدَادِ ، فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا لَا ثَانِيَ لَهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الأَعْدَادِ . أَ مَا تَرَى أَنَّهُ كَفَرَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . وَقَوْلُ القَائِلِ : هُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ يُرِيدُ بِهِ النَّوْعَ مِنَ الجِنْسِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ وَجَلَّ رَبُّنَا وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ . وَأَمَّا الوَجْهَانِ اللَّذَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ فَقَوْلُ القَائِلِ : هُوَ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ فِي الأَشْيَاءِ شِبْهٌ كَذَلِكَ رَبُّنَا وَقَوْلُ القَائِلِ : إِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدِيُّ المَعْنَى ، يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ فِي وُجُودٍ وَلَا عَقْلٍ وَلَا وَهْمٍ كَذَلِكَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ )
« 1 » .
الْقَهَّارُ ولأنه قهار فهو واحد ، إذ لا شيء يتحدى إرادته ويقاوم مشيئته سبحانه . وكما لا يخضع سبحانه لشيء لا يحتم عليه شخص أمرا ، فما المسيح بن مريم والعزير إلا عبدان مطيعان له يخضعان لأوامره ، ولا يحتمان عليه ، وإنه سبحانه قد فرض عليهما عبادته إن لم
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 3 ، ص 206 .