يكن طوعا فكرها . ومن هنا تتبلور فكرة الشفاعة الحق وهي أن عباد الله المكرمين يدعون الله ليغفر لبعض المذنبين فإن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، وقد قال الله في حق بعض المنافقين : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [ المنافقون : 6 ] . وقال تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [ التوبة : 80 ] .
ولكن الرسول وأولي الأمر من بعده يملكهم الله الشفاعة في الدنيا والآخرة ، فيغفر لمن يشاء كيف يشاء ، ويعذب من يشاء كيف يشاء ، ومغفرة الله بواسطة الرسول صلى الله عليه وآله ممكنة ولكن حسب مقاييس محدودة ، فلا يملك الرسول صلى الله عليه وآله للمذنبين المصرين ، أو الكفار شيئا ، ويوجز الله في آية من الآيات فكرة الشفاعة فيقول : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [ النساء : 64 ] .
[ 5 ] وقد سبق في الآية الثالثة أن فسرنا قوله : أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [ الزمر : 3 ] . فقلنا بأنها تشير إلى السنن التي تحكم في الخليقة بتدبير الله وهيمنته وإرادته ، ويوضح الله ذلك بقوله : خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ويبدو أنه سبحانه بعد نفي العقائد التي يتشبث بها المشركون ، ونفي كون الولد له ، وأنه لا أحد من الشركاء يقربهم إليه أخذ يذكرنا بنفسه ذلك أن معرفة الله حقا كفيلة بنفي العقائد الباطلة وإزالة الأوهام البشرية التي هي وليدة الجهل بالخالق . ولعل الإشارة إلى بِالْحَقِّ هنا لبيان أن تمنيات القوم بالشفاعة الباطلة سراب ، لأن أساس الخلق هو الحق ، وإنه لا أحد يبلغ الثواب والكمال بالتمني والتظني أو الشفاعة الباطلة بل بالحق والحق وحده .
ودليل أحدية الرب وقاهريته وأنه خلق السماوات والأرض بالحق ما نراه من اختلاف الليل والنهار . يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وتكوير هذا يتم بزيادته على حساب ذاك وبالعكس ، فالله قد قهر السماوات والأرض بحركتهما الدقيقة التي لا يستطيعان مقاومتها قيد شعرة ، ثم إنهما يجريان بنظام دقيق مما يهدينا إلى أنه جعل كل شيء بالحق . وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مما يهدينا إلى أنه القاهر . كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى وكما أن الله خلق الشمس والقمر ، وسخرهما بقدرته ، كذلك فإن انتهاءهما بيده ، وربما توصل العلماء إلى العمر التقريبي للشمس والقمر بمقدار ما يعطيان من طاقة من النور والحركة . أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ فبعزته أقام النظم في كل شيء ، وألزم الشمس والقمر والنجوم أفلاكها ، وسخرها لما
من هدى القرآن — صفحة 142
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٤٢