نار مختزنة ، كما إن آكل مال اليتيم يحسب أنه يتناول طعاما شهيا ، ولكنه - في الواقع - إنما يأكل في بطنه نارا ، والذي يكذب لا يعرف أن نتنا خبيثا يخرج من فيه يلعنه به الملائكة ، وهكذا .
وهكذا يأتي رجل إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وقد جاء بعظم كافر فيقول : ( أَنْتُم تَقولونَ أَنَّه مُعذَبٌ فَأَيْنَ النَارُ التِي يُعذَبُ بِها الآن ؟ ! فَيأْتِي إِليْه الإِمامُ بِزِنادٍ فَيَقْدحُهُ فَيقولُ :
أَيْنَ كَانَتْ النارُ فِي هَذَا الزِناد ؟ )
. [ 81 ] البعث والنشور حقيقة فطرية . أوليست نفوس البشر تنزع إلى الخلود ؟ وهذه الجهود الهائلة التي يبذلها البشر من أجل الخلود ، دليل عمق الإحساس بالخلود ، وما أكره الموت في نظر الإنسان إلا إيمانه بأنه جاء ليبقى ، وفقط أولياء الله الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم لا يهابون الموت ، ولو أحصيت أهداف الناس من مساعيهم المختلفة لكان لهدف استمرار البقاء حصة الأسد فيها ، يقول الله تعالى لبيان هذه الحقيقة : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [ الشعراء : 129 ] .
وحيث علم البشر أنه لا محالة ميت ، فتش عن بقاء اعتباري إن فقد القدرة على البقاء الحقيقي ، فإذا به يسعى للامتداد عبر أبنائه أو آثاره أو حتى تحنيط جسده الميت وبناء المقابر الضخمة عند رفاته .
وحين أراد إبليس إغواء أبينا آدم وزوجه حواء وإخراجهما من الجنة ، قال لهما : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [ طه : 120 ] .
هكذا تراه يثير فيهما حب الخلود ، ويربطهما بالمعصية ، وكذلك يصنع بأبناء آدم ، فإنه من أعظم أسباب الذنوب حب الخلود .
ومن هنا فإن الإمام علي عليه السلام حين يسأله أحدهم : ( مَا هُوَ الحَقُ الشَبِيهُ بِالباطِل ؟ ! يَقولُ عليه السلام :
المَوتُ ، لِأَنَّ نَزْعَةَ الخُلودِ لا تَدَعْهُ يذْعنُ لِلمَوتِ هَذا الذِي لا يَنْجُو مِنْهُ حَيٌ أَبَداً ، وَقَدْ قَالَ رَبُنا سُبْحانَه
: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) [ العنكبوت : 57 ] .
إن هذا الإحساس الفطري العميق بالخلود لا يتحقق في الدنيا ، فهو إذا يتحقق بالبقاء في الآخرة ، فما الموت إلا قنطرة ، وما الدنيا إلا مزرعة ، وإن الآخرة لهي الحيوان .
ولكن تبقى العقبة الرئيسية أمام البشر جهله بقدرة الله واحتجابه بما يراه عما لا يراه ، بالشهود عن الغيب .
لذلك نرى آيات القرآن تذكرنا بآيات قدرة الله ، فهذه السماوات التي لا تحصى أقمارها
من هدى القرآن — صفحة 407
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٧