وقالوا : ( إن البحث العلمي أكد أن كل أنواع الوقود من أشعة الشمس ، وحتى اتقاد الخشب إنما هو بتخزّن هذه الأشعة فيه ، وإلا فإن عناصره الأخرى كالماء والتراب لا نار فيها .
ذلك أن كل عملية تركيب كيماوية بحاجة إلى امتصاص الطاقة أو بثها ، وعملية امتصاص الأشجار لثاني أكسيد الكربون بحاجة - حسب هذا القانون - إلى الطاقة ، وهكذا فهي تستفيد من الطاقة الشمسية ، وتستمر الأشجار في اختزان الطاقة بصورة منتظمة .
وهذه العملية لا تقوم بها الأخشاب اليابسة بل الشجر الأخضر ، ولذلك ركز الحديث حوله ، بالرغم من أن الناس يعرفون أن الخشب اليابس أسرع اشتعالا إلا إنه لا يخزن الطاقة ) « 1 » .
ولكن يبقى السؤال : لماذا ضرب الله بهذا مثلا ؟ .
الجواب :
أولًا : إن ذلك يهدينا إلى قدرة الله الذي ضغط النار في الماء . أوليس الشجر الأخضر ينضح بالماء ؟ فأبصر برب يخزن الوقود في الماء ! .
ثانياً : إن السنن الإلهية الخفية أكثر من الظاهرة للإنسان منها ، وما أوتينا من العلم إلا قليلا ، وإننا نستبعد أشياء لأننا لا نعرف الأنظمة ، فلو قيل لأحد من أجدادنا : سيأتي يوم يطير جهاز بعشرات الأطنان من الحديد في الفضاء ، بسرعة فائقة لما صدق ، لأنه لم يكن يعرف قوانين فيزيائية يعرفها الإنسان اليوم ، وقديما قال الإمام علي عليه السلام :
( النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا )
« 2 » . وكذلك البشر ينكر البعث لأنه لا يعرف ما أودع الله في ضمير الوجود من أنظمة ، كما لم يكن يعرف الإنسان كيف يجعل الله من الشجر الأخضر نارا ، فلعل ذرات البدن التي تنفصل عنه بعد الموت تبقى ذات صلة خاصة به إلى أن يبعث الله من في القبور ، أو تطبع عليها سمات تشير إلى مصدرها .
ثالثاً : إن ذرات الحرارة التي تنفصل عن الشمس وتخزن في الشجر الأخضر تبعث مرة أخرى إليها ، ولكن دون أن يعدم منها شيء كما يحسب الجاهل ، كذلك ذرات الجسم .
رابعاً : ولعل في الآية إشارة لطيفة إلى قانون إلهي في الوجود أن فيه الغيب والشهود ، فهناك الشجر الأخضر تحسبه لجة ماء ، فإذا فيه كتلة وقود مختزنة ، كذلك الدنيا شهود الآخرة ، بينما الآخرة غيب الدنيا ، فأنت ترى جسد الميت المسئ بينما هو في النار كما الزناد احتوى على
هامش
( 1 ) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل : ج 14 ص 225 - 226 ، نقلًا بتصرف .
( 2 ) غرر الحكم : الحكمة 869 .