تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
وبعد أن خلق من الماء المهين رباه الله من خلق لخلق ، ومن طور لطور ، ومن مرحلة لأخرى حتى سواه رجلا ناطقا فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وقد بلغ به الكمال مداه حتى اغتر به ، وأخذ يجادل - وبوضوح تام - خالقه ورازقه ! . [ 78 ] ومن مظاهر جدلهم الباطل أن الواحد منهم يأتي بقطعة عظم بالية ، ويسعى إلى رسول الله ، ويزعم أنه سوف يخصمه به . وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا يبدو أن المثل هو الواقعة التي يستشهد بها على فكرة أو حقيقة ، وإنما يقال ضربه لأنه يشبه غيره والضرب هو الشبيه . وَنَسِيَ خَلْقَهُ ولو لم ينس خلقه لما ضربه مثلا . أفلم ير أنه قد خلق من غير مثال يحتذى ؟ ! فكيف يستبعد قدرة الله على الخلق ؟ ! . قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ لقد جاء ( أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ مَعَهُ عَظْمٌ نَخِرٌ فَفَرَكَهُ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ يُحْيِ العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ؟ ! . فَأَنْطَقَ اللهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله بِمُحْكَمِ آيَاتِهِ وَبَهَتَهُ بِبُرْهَانِ نُبُوَّتِهِ فَقَالَ صلى الله عليه وآله : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ فَانْصَرَفَ مَبْهُوتاً ) « 1 » . [ 79 ] لقد كانت إزالة الشبهة قد بدأت مع بداية هذه المجموعة من الآيات حيث مهد الله لها بالنهي عن الحزن لما يقولونه لأنه بعلم الله ، ثم ذكر الإنسان بأصل خلقه من النطفة مشيرا إلى تلك البداية البسيطة التي يراها الإنسان ، ثم نوه بذلك مرة أخرى حين قال : ونسي خلقه ، ثم قال : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ هنالك أنشأها إنشاء وابتدعها ابتداعا من غير مثال يحتذى ، ولا أدوات تستخدم ، ولا أنصار وشركاء يساهمون . إن تذكر هذه الحقيقة تذهب أي شك في قدرة البارئ في ذلك ، بلى ؛ يبقى تساؤل قد يلقيه الشيطان في قلب الإنسان الذي يسعى بدوره للتخلص من ثقل المسؤولية وهاجس الجزاء ، والتساؤل هو : كيف يجمع الله الأجزاء المتناثرة في أقطار الأرض حول هذا البدن ؟ . فيقول ربنا وهو يشير إلى تنوع خلق الله ، الذي يهدينا إلى علمه المحيط : وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ فأنى ألقيت بصرك وأدرت بصيرتك رأيت خلقا عجبا ، حسن التقدير ، جميل الظاهر ، متين الصنع ، متناسبا مع هدفه ، متناغما مع نظائره ، ثم رأيت من أنواع الأحياء ، وألوان النباتات ومختلف المعادن ، وصنوف الجمادات ، مالا يدع عندك شبهة في سعة قدرة بارئها ، ومحيط علمه وقديم خبره ، فكيف يشك في إمكانية إعادة الخلق ؟ ! .
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 10 ، ص 32 .