[ 82 ] من أصغر خلية إلى أعظم مجرة ، كل مخلوق يؤدي دورا ويحقق هدفا ، بينما يستوي الإنسان على عرش السلطة ، فقد أوتي ما يسخر به ما في الأرض جميعا ، وتوفر فرصة العيش الرغد لهذا المليك المكرم . أولم يقل ربنا سبحانه : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً [ الجاثية : 13 ] وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الإسراء : 70 ] وعندما نتفكر في وجود الإنسان نرى كل شيء فيه يحقق هدفا ، من أعظم جارحة كالمخ والقلب إلى أصغر نسيج .
تعالوا إذا نفكر : أليس لوجود الإنسان في الأرض بذاته هدف ؟ وهل خلقه الله عبثا ؟ فأين إذا حكمة الله ، التي تتجلى في كل شيء ؟ ! وأين عدالته التي نرى آياتها في السماوات والأرض ؟ ! .
كلا . . إنما خلق الإنسان لهدف أيضا ، وهو أن يتكامل إلى الله ، وقد جاء في الحديث القدسي المعروف :
( عَبْدِي خَلَقْتُ الأَشْياءَ لِأَجْلِكَ ، وَخَلَقْتُكَ لِأَجْلي . . )
« 1 » .
وقال ربنا سبحانه : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] .
وقال ربنا سبحانه : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ( 16 ) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ( 17 ) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [ الأنبياء : 16 - 18 ] .
وحين تفكر أولو الألباب في خلق السماوات والأرض عرفوا أن الخلق ليس باطلا فقالوا : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] .
ولكن هناك من يعرف هذه الحكمة ولكنه ينكر المعاد أيضا ، كالفلاسفة المتأثرين بآراء اليونانيين القدماء . لماذا ؟ لأنهم جهلوا كيف خلق الله الخلق ، فقال بعضهم : الخلق صادر عن الله - سبحانه وتعالى - كما يتدفق الماء من العين . فكيف يعود الماء إلى العين تارة أخرى ؟ ! .
وقال آخرون : بلى يعود ، ولكن لا ليعذب أو يجازى على أفعاله ، بل ليلتحق بالمصدر ، كما تعود المياه إلى البحار بعد تطواف كبير ! .
وقد أنكر هؤلاء البعث بالصورة التي جاءت بها كتب الله لجهلهم بكيفية الخلق ، يقول ربنا وهو يوضح قدرته في أمر الخلق :
هامش
( 1 ) الجواهر السنية : ص 361 .